واشنطن المدينة العاصمة


شكى صاحبي ساعة وقوف قرب حزام ناقل لحقائب مسافري الطائرة الاماراتية بعد طول سفر، توقف الحزام عن الحركة كأنه يعلن وصول آخر حقيبة تحمل حاجيات السفر، اختفت الحقيبةالرصاصية فبان القلق ظاهراً على أجساد كثرت حركتها في المكان وارتفعتوتائر أصواتها الناطقة بالعربية الدارجة. تقدم رجل أمن من أصول أفريقية ضخم ودود، سأل أولاً ثم تناول بإصبعي يده اليمين، الرقم المثبت للشنطةوكأنه واثق من قدرته في العثور عليها.غاب ربع ساعة متجولاً بين الأحزمة والمسافرين، لاح من بينهايسحبكومة حاجيات في كيس شفاف، يمشي الهوينا، تخيلتهُ راع بقر في فلم قديم يقتل هندياً أحمراً، يترجل من حصانه المرقط، يسحب جثته العارية، يرميها باستهزاء خامدة أمام الواقفين في باحة الشريف.

انطلق سائق الحافلة، قال طريق المطار الذي نسلكه فيدرالي تقيم على جانبيه شركات أمريكية كبرى، حاله لم يكن جيداً بالمقارنه مع الطريق الذي يربطه بآخر سريع في أرض ولاية فرجينيا الغنية.

واشنطن المدينة التي لم تتغير، مذ آخر زيارة كانت عام ١٩٨٤، عندما سجلت الذاكرة بعض معالمها في خلايا الحفظ البعيدة.شوارعها العريضة ومعالم رموزها وتماثيل ملأت حدائقها العامة لم تتغير. بناياتها أبقتْ الطراز الروماني ماثلاً لا ترتفع أعلى من الكونغرس هي الأخرى لم تتغير ولم ترتفع تجاوزاً أو إضافة شبر واحد فالقانون هنا لا يقهر. أرصفتها عريضة، شوارعها واسعة، فضاءات حدائقها الخضراء كثيرة، لم يقضم منها حاكمٌقُطَعُ نردٍ، يهبها مكرمةًلفرسان الحروب الخاسرة وأصحاب السياسية المعصومين، ولم يتجاوز عليها أحد من العباد في غفلة غابت فيها سلطة الأسياد.مياه نهر البوتماكبقيت حدوداًتفصل بين واشنطن العاصمة وبين ولاية فرجينيا لم يتنازع عليها أهل البلاد، تناثرت حول حافاته مرافئ عديدة لمراكب التجوال وزوارق السياحة والسباق ويخوت الذوات، تطل على واجهته عمارات أشهرها مجمع (وترجيت)بمكاتبه الفخمة وفندق وسطه كبير، من طابقه السادس تجسس مساعدي الرئيس نيكسون على الحزب الديمقراطي عام١٩٧٢ فتكونت فضيحة أخذت اسم المجمع وتعممت صفةً على الفضائح المشهورة،وتسببت في استقالته رئيس.

قال السائق دون أن يحرك رأسه، لقد دخلنا شارع الاستقلال هو وشارع الدستور، شارعين تتعامد عليهما مدينة كانت أساساً مرابط خيل، أراد أن يجعل منها جورج واشنطن عاصمة للاتحاد لا تتبع ولاية، فتبرعت له ولايتي فرجينيا والميريلاندبأراض متجاورة، صممها المهندس العسكري الفرنسي ببير شارل لانفان، أكثَرَمن مساحاتها الخضراء، جعل شوارعها واسعةحتى تعجب كيف فكر أهل الماضي بشوارع كانت مخصصة لعربات تجرها خيول لتستوعب الاف السيارات ومقدر لها أن تستوعب مثلها لمائة عام. أشر وهو في الطريق على تمثال المهندس بيير، وعشرات التماثيل قادة حروب، وفنانين كبار وآينشتاين بحجم رأس يكبر نسبياً جسمه بشكل واضح ليعطي الفنان رمزاً لعقله الجبار.

توقف عند فندق قديم على شارع الاستقلال، وقبل أن يفتح باب الحافلة قال فندقكم هذا ويلارد (Willard) متحف تاريخ إذ أقام به الرئيس ابراهام لنكولن في حملته الانتخابية وله في الفندق متحفاً عرضت علىواجهته فواتير دفعها في ذاك الزمان، وكتب في رواقه مارتن لوثر كنگ خطابه الشهير، ومنه جاءت كلمة لوبي ( Lobby)(جماعات الضغط) بطل قصتها الجنرال الشمالي يوليسيسگرانت ( Grant)الذي أبدع في الحرب وفاز ليصبح الرئيس الأمريكي الثامن عشر عام ١٨٦٩،كان يدخن السيجار بشراهة وزوجته تكره التدخين، لا تقبله في البيت الأبيض، فاضطر المجيئ الى الفندق كل صباح، يشرب قهوته في رواقه الأمامي ويدخن السيجار، وتعوّدَ الناس مجيئه وتقديم بعض الطلبات، وهكذا باتت بعض أنواع القرارات تتخذ في الرواق أي اللوبي، فشاعت الكلمة لتستخدم تعبيراً عن جماعات الضغط.

أبتسم السائق المرشد، وقال ستصلكم الحقائب الى الغرف، فالعامل ينتظر وكل شيء يسير كما هو مطلوب، يبدو أنكم بحاجة الى نوم.

واشنطن ١٣/٧/٢٠١٧