نهاية برلين العاصمة


أكمل كبار الحربأهدافهم في برلين، أنهوها عاصمة، كادت تحكمهملو أسعفَ الوقت هتلرها في إكمال برنامجه النووي.

لم يناموا ليلتها، احتفل البعض رقصاً حتى الصباح، وأحتفل البعض شرباً لنخب الانتصار حتى الصباح، وأرتضى البعض حلماً لنوم هانئ في حضن حبيب قبل حلول الصباح، وسار البعض الآخر أبعد من هذا وذاك، سهرَ الليل وامتد الى ما بعد الصباحسعياً بوقع محموم يتدافع بقصد النفاذ الى جسم فاتنة اسمها برلين أثخنت هيأتهاالجراح، كانالسوفييتمن ذاك البعض أسرعُ وأجرأ، فأحكمواحصة الاسد في التطويقوالنفاذ، وَقُسمَ الباقي حصصاً بين الأمريكان والبريطانيين والفرنسيين، الأكثر صبراً والأطول بالاً في التخطيط وإعادة البناء، أعلنوا وضعَ مناطقهم سلطة غربية واحدة، فأصدرستالينرجل السياسة والحرب الأقوى أمراً لقوات تطوق برلين،سد منافذها،إيقاف تبادل تجارتهاإحراجاً لتلك السلطة والضغط عليها.

يومان ارتفعت فيهما وتائر الخشية من احتلال سوفيتي يقع، وخوف من جوع يعم، حط في ثالثها العقيد الطيار الأمريكي جيل بطائرته ذات المحركين في مطار تيمبلهوف ألقى من شباك طائرته حلويات على أطفال يلعبون قرب المطار، أنزل أول شحنة، أثبت أن التقرب الى المطار طيراناً منخفضاً من على أسطح المنازع ممكن والاقلاع منه على نفس الشاكلة ممكن أيضاً، لتبدأ من بعده طائراتالنقل جسراً جوياً كما ورد في شرح لعامر الموسوينظم بسيارته الخاصة جولة في المدينة هذا اليوم، وأضاف أنه وبعد عام من هذا ومائتان وسبعون ألف طلعة وملايين الأطنان من علب الدواء والملابس والغذاء ومواد بناء أنقذت برلين الغربية و تغير وجه التاريخ وتبدلت مشاعر الألمان من الأمريكان.

برلين حاضر وتاريخ، وبين هذا وذاك صلة وضعها أهل الدار شاهداً على التاريخ ليقربوا في عقول المعاصرين ما فعله الأجداد في حاضر البلاد، فكان موقع الجستابو أي الشرطة السرية الألمانية أو ما تبقى من هذا الموقع الذي حكم منه هملر وهيئة ركنه ألمانيا أمنياً،هو الآخر في قائمة المشاهدة لهذه المدينة في آخر ساعات قبل مغادرتها عودة للمكان.

موقعٌأخذَ مساحة قطاع كامل ينتصب شاخصاً بين شوارع أربعة، لم تُبقِ فيه طائرات الحلفاء في الحرب إلا أساسات بناء وبعض غرف كانت سراديب اعتقال وتعذيب مخفية تحت الأرض. أبقوه الأبناء مُهَدماً دليل حرب وذاكرة اغتصاب لما كان من حريات،حَوَرْوا، شَيَدْوا فوق قسم من أرضه قاعات ملأوها صوراً لذاك التاريخوأدلة تعذيب، بين الصورة والصورة صورة هتلر تحتل لها مكان، هنا أجتمع وهنا ألقى خطاب، وهناك أخرى يوم فاز في الانتخاب، وأنتقل الى البرلمان في سيارة مكشوفة ليبدأ عصراً جديداً، وجمهور التف حوله يهتف، لا يعلم أصحابه ما سيؤول اليه الجديد، في دلالة أنه وأينما يكون الناس في ذروة الانفعال يتحولون الى قطيع يهتف ليقنعواأنفسهم ويفسدون المسؤول، والى جانب تلك الصور،صورٌ أخرى وأخرىلأشخاص يعذبون وآخرين وقفوا صفاً عند مشانق ينتظرون إشارة الاعدام، وحفر لمقابر جماعية، ومن قُتل في سراديب الجهاز أثناء التعذيب، وأخرى لمحاكم نورن بيرغلمجرمي الحرب وأطباء أجروا تجارب على البشر والنازية كنظاموهملر رئيساً للجاز وان مات انتحاراً.

عند النظر الى كم الصور والشواهد، وأفلام تعرض في قاعات وبقايا جدار عرضه متران وكتل اسمنتية، يتأسف الناظر على تراث في بلده العراق، وأحداث ألمت به جلها تجاوز وإجرام وثورات مؤدلجة ونوازع ارهاب منذ العام ١٩٥٨ والى اليوم، لو فكر في حالته حزب أو مسؤول جليل أو عالم بلا عمل، لشيدوا لهذه الذاكرة السلبية، قاعات ومراكز ونصب قد لا تكفِ بغداد بشوارعها والعمران لاستيعابها بأي حال من الأحوال.

قال عامر حان وقت الذهاب الى المطار، واستمر في سرد بعض من تاريخ برلين، فهو قد سكنها منذ سنين وبات في تاريخها ضليع.

١٠/١١/٢٠١٧