موسكو الحاضر


أشَّرَ بطرف عين له تبصر جيداًصوب حديقة وارفة خضراء، قال أرضها كانت فندقاً هو الأكبر في العالم أيام السوفييت، أقاموه صرحاً على ثلاثة عشر فداناً، بستة آلاف سرير، وملاعب تنس ومسابح مغلقة وقاعات احتفال ونوادي ليلية، شاخ من كثر استعماله مقراً لضيافة الوفود القادمة اليهم يوم كان لهم مجداً لا يضاهيه مجد الا ذاك الموجود في الطرف الآخر من الكون، حكمَ عليه مجلس المدينةبالهدم واقامة هذه الحديقة وبعض منشآت للترويح، ألبسوا مكانه حلة عشب خضراء زاهية، وسطها ممرات، تحيط بها زهور جعلتهاحديقة جميلة من بين آلاف الحدائق التي انتشرت بين أحياء موسكو حتى بات لكل حي حديقته وللعامة حدائق أجملها في عيون الروس والسواح حديقة (تيفورفيدچي) التي تعكس صورة القلعة في الليل، تظهرها لوحة طبيعة يعجز عن رسمها فنان، تلزمك مشاهدتها العَوْدُ بالذاكرةالى بغداد التي أكل خضرتها غول الصحراء، وتبرع أصحابها بما بقيَّ من مساحات خضراء لتكون أسواقاً لأهل النفوذ ومساكنَ فارهة لتجار السياسة والحروب، ومرتع بؤس لمتجاوزين جردوها عمداً من خضرتها، التهموا بساتينها، مثل جراد دفعت به الصحراء.

لم يعلق في سيره مسروراً بسردٍ لما بقيَّفي الخزين القديم، مثل مرشد سياحي استلم وظيفته تواً، وبدلاً من التعليقأومأ الى فندق آخر قال هذا فندق موسكو الفخم، من تلك الحقبة أيضاً،قدر المختصون كلفة تجديده ليوائم العصر تقنياً أكثر من كلفة إعادة بناءه من جديد فهدموه وأعادوا بناءه شكلاً هوذاك الشكلحتى أبقوا خطئاً في تصميم الواجهة كان قد أغضب ستالين في حينه.

ومن بعد شرح بسيط عنليالي هذا الفندق الحمراء، ومؤتمرات الشبيبة يوم وصل موسكو هارباً عام ١٩٧٠، عَرّجَ على شارع أربات، السير فيه فقط للمشاة، خلده الفنانون، حافظوا على هيبته لأربعمائة سنة عمره الحقيقي، عاشوا فيه شعراء وكتاب وممثلين كبار وما زال آخرين منهم في ربوعه يعيشون،وسطه مبنىً وردياً قال عنه مسرحاً احتضن أشهر الممثلين الروس، وعلى أرصفته يقفرسامون يقتنصون الوجوه الجميلة، وموسيقيون يعزفونالحاناً من كل البلدان:

عازف جيتار هنا، فرقة جاز هناك، قريب منهاهندي أحمر بآلاتهالخشبية، يجاوره صاحب ناي عربي، وبائع لوحات في الواجهة أفترش الطريق يعلن عنها بصوت تقترب مخارجه من لحن الراب. بيوت تم طلاؤها بألوان مختلفة، ومصابيح تحاكي فوانيس القيصر توزعت على الجانبين،حتى أضحى الشارع كرنفالاً من نوع خاص، يتقابل عنده الناس، يتسامرون، يحبون،يتحابون،طمعاً في العيشالأسعد،يجاوره شارع عريض، شيد ومثله مئاتأخريعود بعضها الىقياصرةأقاموا صروحاً من البناء مازالت عامرة، والى شيوعيين أضافوالموسكو ما يبقيها مدينة تعج بالحياة.

توقف عند تمثال لينين، سألت لم باقٍ في مكانه شامخاً، أكد أنهم هنا يَعْدُونَ إرث الماضي ملكاً للشعب لا يحق لحاكم ازالته، وأضاف إنهم ليسوا مثل أهل الشرق مصابون بخواف الماضي، قدراًيجعل الحاضر معولاً يهدم الماضي،ويبقي البلاد بلا تراثولا ماضٍ.

مشىمبتهجاً بموسكو كمن يكون صاحبها، قال أصبحنا في شارع بولفار قريب من السيرك الوطنيالذي تأسس قبل أكثر من قرن وسمي على اسم يوري نيكولين،المهرج والممثل الروسي الشهير، ليصبح شاهداً على التاريخ وقاعدة رصينة للفن الرفيع.

وقف أحدهم مع رفع الستارة حكى تاريخ هذا السيرك، أثنى على يوري نيكولين وأرثه في الإدارة والفن. ومن بعده دخل المهرج من باب كانت مغلقة، وضع العلامة الحمراء على أنفه، وخط خطوط التهريج على فمه ليظهر بالمكياج مهرجاً صفق له جمهور يزيد عن الأف، مهد لعروض تميزت بحركات بهلوانية وأخرى خطيرة، ومن بعدها توالى استعراض حيواني بدأته الأسود فالنمور والخيول ومدربون مسيطرون ومدربات حسناوات لتختم الكلاب عروضها بحركاتأبهرت الجمهور.

ساعتان من العرض المثير تضحك فيها مرة، تتعجب في أخرى،يخفق قلبك من حركة، كأنكمن يؤديها، لتسدل الستارة بعدها فتجد نفسك مع هذا الجمع تصفق لفن يستحق التصفيق.

٢٨/٥/٢٠١٨