للريف الويلزي مزاج مختلف عن باقي الأرياف؛ أقل ترتيبًا، وأكثر التصاقًا بالطبيعة الخام. فالطرق هنا لا تمرّ بين حقول واسعة ومسيّجة بعناية كما في الجنوب، تتسلل وسط تلال رطبة، وغابات منخفضة، ومراعٍ تنتشر فوقها الأغنام البيضاء كأنها جزء من الضباب نفسه. المطر حاضر حتى في الأيام التي لا يهطل فيها، يبقى معلقًا في لون السماء، وفي رائحة التراب الرطب، وفي الطحالب التي تغطي الجدران القديمة. 

الطبيعة هنا أقل ترويضًا، والقرى أكثر انغلاقًا على نفسها، والناس يميلون إلى ذلك الهدوء الذي تخلقه الأمطار الكثيرة. حتى المتاجر القليلة تبدو وكأنها تؤدي دورًا اجتماعيًا أقدم من مجرد البيع والشراء؛ أماكن يلتقي فيها السكان الذين يعرف بعضهم بعضًا منذ سنوات طويلة. تقلّ السيارات، وتختفي الإضاءات الكبيرة، وتصبح التلال أكثر اتساعًا من العمران نفسه. هنا يشعر الإنسان أن الزمن لا يتحرك بالسرعة المعتادة؛ كأن الحياة ما تزال تحتفظ بشيء من إيقاعها الزراعي القديم، حتى وإن تسللت التكنلوجيا الى كل مكان. أما البيوت فتبدو وكأنها خارجة من زمن أبطأ؛ حجرية منخفضة، مداخنها ما تزال جزءًا أساسيًا من شكلها، والطرق المؤدية إليها ضيقة إلى الحد الذي يجعل الوصول نفسه جزءًا من العزلة. والبيت الذي حللنا فيه

لا يختلف عنها. حجري يعود إلى ما يقارب ثلاثمائة سنة، بُنيَّ في الأصل ورشة حداد يجاور منجم فضة، يحاذي ركن للعمال ينامون فيه ويستريحون، وآخر حانة صغيرة يعودون إليها مع المساء؛ يبددون فيها شيئًا من تعبهم، قبل أن تستعيد جيوب صاحب المنجم القسم الأكبر مما دفعه لهم نهارًا

ثم انتهى كل شيء بهدوء؛ أُغلق المنجم، وانطفأت نار الحداد، وتقاسم الأحفاد ما تبقى من إرث الأجداد قبل أن يغادر معظمهم نحو المدن. حورت الورشة لتكون بيتًا نجا بالصدفة من اختفاء العالم الذي بُنيَّ من أجله، وبالصدفة ذاتها ينتقل إلى فرع من آل عبيد القادمين من أرض بابل؛ وهم يحملون في ذاكرتهم ريفًا مختلفًا تمامًا عن هذا الريف البارد. هناك، في ذاك الريف كانت البيوت تجاور بستان الرهيمية  الشهير وتلال بابل،  والناعور  والطين والشمس الثقيلة، وهناك في العقل ظل شيء خفي يربط بين الريفين؛ ذلك الإيقاع البطيء للحياة، والعلاقة القديمة بالأرض، والإحساس بأن الإنسان لا يعيش منفصلًا تمامًا عن الفصول والطبيعة والماء.

 الدخول إلى هذا البيت، المكنى ببيت الحداد الى هذا اليوم، يشبه الدخول التدريجي إلى طبقة أقدم من الزمن. ممره الحجري يهبط بين الأشجار، قبل أن يستقر جوار جدول ماء دائم الجريان. لا شيء هنا يحاول لفت الانتباه؛ لا ضجيج، ولا إنارة قوية، ولا حركة مستمرة. حتى الصمت يبدو كثيفًا بما يكفي ليصبح جزءًا محسوسًا من  المكان. وفي الداخل تحتفظ الجدران الحجرية ببرودة خفيفة حتى في الصيف، فيما تتسلل رائحة الخشب إلى الغرف الصغيرة ذات السقوف المنخفضة. ومن النوافذ تُرى الحقول الممتدة بصمت طويل، كأن العالم الخارجي ابتعد مسافة كبيرة دون أن يتحرك فعليًا. ومع حلول الليل تتراجع فيه الأشياء أكثر نحو السكون. لا يُسمع سوى خرير الجدول الملاصق، واحتكاك الريح بالأشجار المحيطة، بينما تبدو السماء، الخالية من التلوث الضوئي، ممتلئة بنجوم لا تظهر في المدن بهذا الوضوح، حتى يشعر الجالس على ناصيته أن الليل في محيطه يصبح أوسع، والصمت أعمق، والحياة أقرب قليلًا إلى تلك الليالي البعيدة في قرية الجمجمة قبل الكهرباء، وقبل أن تُذبح أسراب النخيل بسكاكين التغيير. كأن العتمة، ومهما اختلفت جغرافيًا، تحتفظ دائمًا بقدرتها على إعادة الإنسان إلى ذاكرته الأولى.