في كل زيارة إلى هامبورغ، يتم اختيار مكان جديد، ليس بحثًا عن الجمال الذي لا غنى عن التماس أثره، بل لبلوغ ما قد يُخفيه الجمال أحيانًا. في هذه الزيارة، لم نقف على ضفاف أحد الشواطئ، ولا عند بحيرة الألستر وسط المدينة، فقد مضينا باتجاه الجنوب الشرقي، إلى حيث يقع الموقع التذكاري لمعسكر الاعتقال النازي نيوينجامي.

 مرّ الطريق إليه بين مزارع خضراء هادئة، في أجواء مشمسة تحلق تحتها الطيور، وكأن شيئًا لم يحدث هنا من قبل. لكن الواقع يقول غير ذلك، وخرائط الدلالة تشير إلى معسكرٍ أخذ مكانه في ذاكرة التاريخ الألماني الحديث

بدأ الموقع كمصنع للطابوق الفاخر عام ١٩٠٧، ثم تحول خلال الحرب العالمية الثانية إلى واحد من أكبر معسكرات الاعتقال في شمال ألمانيا. مرّ عبره أكثر من 100,000 سجين لأكثر من ٢٥ جنسية مختلفة: يهود، غجر، شواذ، مرضى عقليًا، رومان، بولنديون، روس، وآخرون.

 أُرسل بعضهم إلى الموت فورًا، فيما استُخدم الآخرون في أعمال قسرية داخل مصانع السلاح والبناء، حتى تُنهك قواهم أو يمرضوا ويموتوا، ليُرسلوا بعد ذلك إلى الحرق "تفاديًا لانتقال الأوبئة" كما كانوا يقولون.

ما تبقى من هذا المكان اليوم هو متحف وموقع تذكاري، كئيب، لا يستدر العاطفة مهما كانت أشكالها.

شُيّد عند المدخل مكتب أنيق، تديره سيدة تجاوزت منتصف العمر. استقبلتنا بابتسامة عريضة، وقدمت بيدها الناعمة كتيبًا يضم شرحًا للأقسام مع خريطة موجزة، ثم نصحت ببدء الجولة من القاعة الشمالية لقرب وصول طلاب من مدرسة ثانوية. ابتسمت مرة أخرى، دون أن توضح، كأنها تتحاشى التذكير بما قد يفعله المراهقون في مثل هذا العمر.

 بدأنا السير وفق الأسهم المرسومة على البلاط، قادتنا إلى قاعات عرض احتوت على نماذج من أدوات الطبخ، والأسِرّة، والملابس، إلى جانب أرشيف من الوثائق الأصلية: بطاقات اعتقال، رسائل، صور، وسجلات طبية توثق التجارب التي أُجريت على أجساد النزلاء — بينهم أطفال ونساء — لاختبار فاعلية بعض العقاقير على أمراض بعينها، أو لقياس الاستجابة والسلوك.

ضم المعرض أيضًا قصصًا لمعتقلين، عُرضت محتوياتها الأصلية من أوراق تحقيق، وتهم موجّهة، وأحكام صادرة، ومعلومات توثق حياتهم داخل المعسكر. أشدّ ما كان وقعًا في المعرض، قصة العازف الألماني هانس بيتر، الذي أُلقي به في المعتقل بسبب شغفه بموسيقى السوينغ. أنقذته بنيته القوية، وإصراره على البقاء، فعاش حتى سقوط النازية، ليعود إلى العزف بكفاءةٍ أعلى. 

في المقابل، قضى صديقه الشاب العشريني بعد أشهر قليلة من اعتقاله، بتهمة إضرام النار عمدًا. كان نحيلاً، لم يقوَ على المقاومة، فهَوى مريضًا، واستمر في الذبول شهورًا، حتى وجدوه ميتًا في فراشه، فنقلوا جثته إلى المحرقة، وبين لهيبها ذاب. وفي زوايا أخرى، عُرضت حُلي نساء، وساعات رجالية، وجوازات سفر، وأسماء بلا صور... تواريخ دخول دون خروج.

 هذا الكمّ الهائل من المعروضات لا يُظهر فقط دقّة التوثيق الألماني، بل يكشف عن قلقٍ دفين، ورغبةٍ مستمرة في مواجهة ما لا يُنسى. وكأنّ كل وثيقة، كل صورة، كل توقيع، محاولة للاعتراف، وربما للتكفير.

 لقد بذلوا جهدًا هائلًا لتثبيت الماضي لا لمحوِه، وكأنّهم يخشون أن يُتّهموا بالنسيان.
ولئلّا يُتّهموا، نشروا مشاريع الذاكرة على امتداد البلاد، تَخْلو من الفراغات، لا تترك للخيال منفذًا، ولا للتكهن فرصة. إنها مرآة باردة للأرقام التي كانت ذات يوم أجسادًا، وللأوامر التي حملت تواقيعَ سلبت أرواح الآلاف... بلا ذنب.

 خرجنا من المعسكر بعد الظهر، فبدا الطريق ذاته مختلفًا. كأنّ الأرض التي بدت خضراء في الصباح، أصبحت أكثر ثِقَلًا في هذا الوقت، ما دفع إلى التساؤل:

 ماذا لو لم يُهزم النازيون؟ هل كنا سنرى هذا المتحف كما رأيناه اليوم؟ أم سنراه بنسخةٍ أخرى، حيث القتلة أبطال، والضحايا "خونة" أو "عملاء" أو "غرباء"؟ 

وفي لحظة تأمل، انزلق السؤال إلى مكان أقرب: ماذا عن العراق؟ هل ستُبنى يومًا متاحف توثق السجون، وأقبية التيزاب، والشعبة الخامسة، وأبو غريب، ونگرة السلمان؟

 هل سنجرؤ على تسمية القتلة والسراق وتوثيق جرائمهم؟

 أم سنكتفي بالصمت، ونترك الأجيال تمشي على رمادٍ لا تعرف من أشعل ناره؟ 

وإذا بُنيَّ متحف بعد جيلنا، من سيكون المتهم؟

ومن سيبقى بلا صورة، بلا ملف... فقط بتاريخ دخول، بلا خروج؟