ما إن رست العبّارة  في ميناء هوك، حتى بدت مدينة لاهاي، أقرب مما يُظن. عشرون كيلومترًا لا تكاد تُحسَب بينهما مدينتان متجاورتان، حيث يمتد العمران دون انقطاع، كأن الأرض التي أقتُطع بعضها من البحر تأبى الفراغ.

 على جانبي الطريق، تكرّرت البيوت الزجاجية الخاصة بالإنبات الزراعي متراصفة، كأنها صلاة صامتة يرددها الهولنديون منذ أجيال. كل بيت منها يحكي قصة شعب نحت النجاح من المناخ والتربة، ليصدّره إلى العالم في صورة زهور، ونباتات، ومحاصيل، وخبرة

مضت السيارة على طريقها بهدوء، لا تتزاحم مع أخرى، ولا تزعجها أصوات أبواق، في رحلة كأنها داخل أعماق الوعي لتكتشف: النظافة، والخضرة. وترى عن قرب ملامح إنسان هولندي كأنه صيغ في قالب لا يظهر العدوانية، ودود بقدر، منضبط بذكاء، يملك من البرود ما يكفي للاتزان، وتمتلك مدينته بعض مفاتيح السياحة الحديثة. إنها لا تستقبل الزائرين، بل تحتضن الواحد منهم دون أن يشعر. 

لاهاي ليست العاصمة الرسمية لهولندا، لكنها عاصمة السياسة والضمير؛ هنا مقر الحكومة والبرلمان، وهناك المحكمة الدولية، حيث تتراكم طبقات الحكمة بهدوء، كما تتراكم طبقات الطمي في النهر الدؤوب، بدت المدينة نظيفة وكأنها قد غُسلت صباح اليوم.

أهل هذه المدينة مثل باقي الأوربيين يولون اهتمامًا كبيرًا لفنانيهم، فأقاموا لأعمال إيسشير (M.C. Escher) رائد الرسومات المستحيلة، ومهندس الخداع البصري، متحفًا في قصر "لوندرن" الملكي القديم: لوحات تخدع العقل، ضم أكبر مجموعة من أعماله الأصلية. متحفٌ يدعو الزائر ليصبح جزءاً من المعروض، يقول عنه الهولنديون لا يعرض اللوحات لتُشاهد فقط، بل لتُستدرج إليها، كي تختبر الحواس وتعيد برمجة البصيرة. تبجيلٌ للفن عندما تتأمله لا تملك ذاكرتك إلا أن تستدعي أولئك الفنانين العراقيين المبدعين الذين مرّوا مرور النسيم، ثم تلاشت آثارهم في غبار النسيان، لأن الفن لم يكن يومًا من أولويات البلاد، ولأن العقود الطويلة من الألم والصراعات طمست كل ما لا يُصرَف أو يُقاتَل من أجله، ومن بعد التأمل تسأل: كم من ريشة مبدعة في بلادي جفَّ ماؤها بصمت؟ وكم من نغمة عبقرية وئدت قبل أن تجد الصدى؟ وتجيب نفسك بنفسك: إنهم فنانون كبار كانوا يستحقون متاحف تحفظ إرثهم، لا أدراجًا منسية في ذاكرة جمعية مشتتة.

لويذاء فرع العائلة الهولندي قدمت في طريق التجوال بالمدينة شرحًا عن مادورودام - مدينة مصغّرة داخل المدينة تختصر هولندا كلها، كأنها خلاصة حلم طويل: الطواحين، القنوات، القطارات، المطارات، كل شيء هناك بدا  كمجسمات فنية دقيقة، تحمل في جوهرها جدّية أمة  تعرف كيف ترَّمز الأشياء لتتحكم بها، وتعلي شأن مواطنيها. غير أن الجمال الهولندي، هو ما لا يمكن ترميزه، تمر كثير من نسائهم في الشوارع والمقاهي، لا يشهرن جمالهن، بل يتركنه يمضي كنسيم البحر؛ ناعمًا، واثقًا، لا يُلفت إلا من يعرف كيف يرى. في ملامح العديد اتساق خال من التزويق، وألوان بشرة طبيعية كأنها مستقاة من غيوم الشمال ونقاوة الورد. كنّ مثل مدينتهن: أنيقات بصمت، متوازنات دون جهد، يسرن وكأنهن يعرفن شيئًا لا يعرفه الآخرون.

مع اقتراب الغروب، بدا البحر وكأنه يستعد لابتلاع الشمس. على مقربة من الساحل، كان مطعم "سيمونس" نصحت به، يفتح أبوابه لوليمة بحرية لا تشبه غيرها: أسماك طازجة، أصداف لا تزال تحتفظ بصوت المحيط، ونكهات تحمل طابع الشمال الأوروبي المتقشف والرقيق في آن معا، الجلوس على مائدته والانتظار كأنه انتظار أغنية كانت رائجة أيام الشباب، تتسلل إلى الذاكرة كحلم لن يُنسى. ومن بعده أرخى الليل سدوله، وغطّى المدينة بردائه الداكن، عندها تم الانسحاب نحو الشقة المستأجرة، ليلة واحدة عبر   Airbnb —  بلا رفاهية، في موقع قريب على البحر، تُشبه هولندا في جوهرها: منظمة، عملية، وتمنح ما يحتاجه المستأجر دون أن تفرض نفسها عليه. فيها يمكن أن يسمع الليل، فالتعليمات تقتضي خفض الأصوات عند العاشرة لمستوى الصفر، وعلى وساداتها يشعر المسافر بأن الرحلة لم تنتهِ، بل بدأت للتو.