قالت إنها تقترح مشاهدة قرية من العصر الحديدي، ثم استدركت سريعًا: قرية تحاكي الحياة كما كانت فوق التلال قبل ثلاثة آلاف سنة، حين عاش الناس على النار والطين والمواشي والخوف من المجهول.
لم يطل الحديث كثيرًا؛ بعد وقت قصير كانت السيارة تشق الطرق الضيقة بين التلال الممتدة، فيما ينجح الطقس المشمس في إزاحة الضباب المعتاد، ويمنح المشهد اتساعًا أكثر هدوءًا
حال قطع التذكرة واجتياز البوابة المؤدية إلى القرية، يبدأ الإحساس بالزمن يتغيّر شيئًا فشيئًا. الطريق الصاعد نحو التل لا يبدو مجرد ممر يقود إلى موقع أثري؛ كأنه صُمم ليُبعد الزائر تدريجيًا عن إيقاع العالم الحديث وسرعته المعتادة، فالأماكن القديمة تمنح في المعتاد شعورًا غريبًا بأن الماضي لا يختفي تمامًا كما يتصور الناس، وإنما يبقى قريبًا من الوعي؛ مختبئًا تحت طبقات الحياة الحديثة، قبل أن تعيده الشواهد القديمة فجأة إلى السطح.
ويستمر الصعود عبر ممر ترابي ضيق يلتف بين أشجار معمّرة وساقية ماء دائمة الجريان، ليس طويلًا بالمعنى الحقيقي، لكنه كافٍ ليترك في الساقين ذلك التعب الذي
يجعل الوصول أكثر استحقاقًا. ومع كل خطوة باتجاه الأعلى، يبدأ العالم الحديث بالتراجع تدريجيًا؛ تختفي السيارات، ومعالم التكنلوجيا، ويصبح الهواء أكثر برودة وصفاء، فيما لا يبقى سوى وقع الخطوات وصوت الريح العابرة بين الأعشاب الطويلة. وما إن يُجتاز المنعطف الأخير حتى تظهر القرية فوق التل دفعة واحدة؛ صغيرة بمقاييس هذا الزمن، لكنها ربما كانت عالمًا كاملًا لسكانها قبل آلاف السنين. بيوت دائرية بسقوف قشية داكنة تبدو من بعيد كأنها خارجة من التربة نفسها.
للحظة قصيرة يتوقف الإحساس بالمكان بوصفه موقعًا سياحيًا. تختفي فكرة الزوار والتذاكر والشرح، ويبدو المشهد أقرب إلى حياة ما تزال مستمرة في زمن آخر؛ كأن القرية بعثت من الماضي لأن شيئا قد بقي خفيا من زمنها القديم عالقًا فوق هذا التل، حتى الريح العابرة من فوقه تبدو وكأنها تحمل أثر عالم لم ينقطع تمامًا عن المكان. البيوت متقاربة ومنخفضة الارتفاع، بجدران من الطين والخشب تبدو كأنها جزء من التل نفسه. داخل احداها تجلس امرأة قرب الموقد الوسطي، تجيب بهدوء عن أسئلة الزوار، وداخل آخر يبقى الضوء خافتًا حتى في ساعات النهار. والنار مشتعلة في الوسط، يتلوى دخانها صعودًا نحو فتحة صغيرة في السقف، فيما تتوزع بمحاذاة الجدران الدائرية أسرّة خشبية بسيطة، ورماح وفؤوس حديدية، سلاح ذلك الزمن، إلى جانب نول يدوي لحياكة الصوف وبعض الرسوم البدائية.
لا شيء هنا يبدو زائدًا عن الحاجة؛ كل تفصيل خاضع لفكرة البقاء نفسها: النار للتدفئة والطهو، والسلاح للصيد والقتال، والصوف لمواجهة البرد الطويل. وعلى مسافة ليست بعيدة يرتفع مخزن الحبوب فوق أعمدة خشبية قصيرة، في محاولة لحمايته من الرطوبة والحيوانات، وكأن القرية كلها بُنيت على قلق دائم من الشتاء ونقص الطعام والخطر القادم من بعيد.
وبينما يستمر التجوال داخل هذه البيوت المعاد إحياؤها بعناية، يصعب منع الذاكرة من الذهاب بعيدًا نحو الأهل في بابل؛ تلك الأرض التي لم يبقَ من مدنها القديمة سوى طابوق موزع على بيوت القرى القريبة، فيما نُقلت بوابتها وتماثيلها إلى متاحف بعيدة لتعيش هناك بعيدا عن المكان الذي وُلدت فيه. هنا، فوق هذا التل الويلزي، تبدو الرغبة واضحة في إبقاء الماضي داخل جغرافيته الأصلية، وهناك في بابل كثيرًا ما بدا التاريخ نفسه مادة قابلة للتفكيك والتزييف والنسيان، كأن الأزمنة الثقيلة لم تجد من يحرسها من التبدد.

