تقف السيارة في الساحة الصامتة عند قصر نيناس، بمقاطعة سودرمانلاند السويدية، كأن القصر اعتاد استقبال الغرباء منذ قرون. لا شيء فيه يصرخ بالعظمة؛ خطوط متزنة،ونوافذ عالية، وسقف يعلوه الزمن. تمتد أمامه مروج خضراء اعتُنيَّ بها كما اعتُنيَّ بالقصر نفسه، فيما تنسحب الغابة والبحيرة بهدوء إلى الخلف، كأنهما الحارسان الأقدمان للمكان.في اللحظة الأولى، يبدو القصر شاهدًا على الحكاية، لا بطلًا لها. فمنذ أن وُثقت هذه الضيعة في القرن الرابع عشر، تعاقبت عليها عائلات أرستقراطية عدة، حتى شُيّد القصربصورته الحالية في القرن السابع عشر، وظل لقرون رمزًا لسلطة ملاك الأرض ونفوذهم.ثم دار الزمن دورته؛ رحلت الأسر التي سكنته، وتبدلت أسماء المالكين، وبقيَّ هو واقفًا في مكانه، حتى انتقال ملكيته في العقود الأخيرة إلى المقاطعة، لا ليُمحى تاريخه، بل ليصبح جزءًا من الذاكرة العامة. لكن الوقوف أمامه بعين قادمة من الشرق لم يترك مجالًا للتفكير كثيرًا بأسماء النبلاء الذين مروا من هنا، بقدر ما أثار سؤالًا آخر: كيف استطاع هذا المكان أن ينجو من تقلبات السياسة والسلطة، وأن يتحول من ملكية خاصة إلى إرث يشترك الجميع في حمايته؟
كان هذا السؤال بداية رحلة أخرى في تاريخ المجتمع الذي احتفظ به قصرا لم يكن مقرًا لملك، ولا مركزًا لاتخاذ قرارات الدولة، وإنما مقرًا لطبقة حكمت الأرض أكثر مما حكمت البلاد، عاش فيه النبلاء الذين منحتهم المَلَكيّة مساحات واسعة من الغابات والحقول والبحيرات، فأداروها كما تُدار المؤسسات الكبرى؛ يشرفون على الزراعةوالغابات والصيد وتربية الماشية، ويقودون شؤون العشرات من العاملين، خدم ومزارعين وحرفيين يعيشون في الجوار، لكل منهم مكانه في نظام اجتماعي يكاد لا يختل.
كان القصر قلب الضيعة، قبل أن يكون رمزًا للمكانة. ففي قاعاته تُقام الولائم، وتُعقدالزيجات، ويولد الأبناء، ويُستقبل الضيوف، وتُناقش مواسم الحصاد. ومن حوله كانت الغابات مصدرًا للأخشاب والصيد، وكانت الحقول والمراعي والماشية عماد الثروة التي قامت عليها حياة الضيعة. وما بقي من تلك الحياة يقود الزائر إلى الداخل، ليتجول بين الأثاث الذي ظل في مكانه، والمائدة التي ما زالت تنتظر ضيوفًا لن يعودوا، والمكتبة التي أغلقت صفحاتها على أصحابها. وعند المغادرة، يدرك أن القصر حُفظ على هيئته لأنه غدا شاهدًا على نمط حياة انقضى من المجتمع السويدي، ولم يبق منه سوى هذه الجدران وماتختزنه من ذاكرة. خلفه ينفتح عالم آخر؛ غابات تمتد حتى تلتبس على العين نهاية الطريق ببداية الأشجار، ومروج واسعة تتنقل فيها الغزلان والأيائل بحرية، وبحيرات ساكنة تعكس السماء الشمالية، ومسارات طويلة للمشي لا يقطع هدوءها إلا صوت الطيور أو حفيف الريح بين الأغصان. عندها تبدو المحمية كأنها لم تُنشأ لاستعراض جمال الطبيعة وحده،وإنما لإعادة الإنسان إليها. ويبدو المكان وكأن التاريخ والطبيعة قد اقتسماه برضا صامت؛فالقصر يحفظ ذاكرة الإنسان، والغابة تحفظ ذاكرة الأرض، ومن يسير بينهما يشعر أنه ينتقل بين كتابين؛ أحدهما كتبه البشر، والآخر كتبته الطبيعة عبر آلاف السنين.
ومن هذا التقاسم الهادئ ينتقل الذهن، من غير استئذان، إلى أرض أخرى؛ أرض العراق،التي لم تكن تنقصها الخضرة ولا التاريخ، وإنما الصلح بين الإنسان وما يملك. فالأرض التي كانت يومًا عنوانًا للإقطاع حملت، إلى جانب محصولها، صراعات السلطة، ثم صراعات التغيير. تبدلت الأسماء، وتغير المالكون، وتهدمت القصور، وتقلصت البساتين،وغابت مع البيوت الريفية حكايات أصحابها، حتى غدا الماضي في كثير من الأحيان عبئًاي توارثه الناس، لا ذاكرة يتشاركون في حفظها.
أما هنا، فقد انتهت سلطة النبلاء، وبقي المكان. خرج القصر من ملكية الأسرة إلى ملكية الذاكرة، وغادرت الغابة حسابات الثروة الخاصة لتغدو ثروة للجميع. وهكذا ظل التاريخ والطبيعة متجاورين، لا يطغى أحدهما على الآخر. وربما كان يمكن لبابل، والحضر،ونينوى، وأور، وسواها من مدن الذاكرة الأولى، أن تكون اليوم على هذه الصورة، لواستطاع الإنسان عندنا أن يتقاسمها مع الأرض كما تقاسمها الناس هنا؛ إرثًا مشتركًا يحتضنه التاريخ والطبيعة والإنسان. فالحضارة لا تُقاس بما تُشيّده الأمم من قصور ومعابد،وإنما بقدرتها على أن تجعل الماضي بيتًا للأحياء، لا أطلالًا يختلف عليها الورثة.
***




