ويستمر التجوال في أرجاء الضيعة والقصر. ومن بعيد يلفت النظر شاب ذو بشرة حنطية،يتحرك داخل مبنى صغير إلى جانب القصر، يضم مرسمًا وورشة عمل مفتوحة، تحيط به مجموعة من الأطفال وعائلاتهم. بعضهم يغمس فرشاته في الألوان، وآخرون يشكلون بأيديهم قطعًا من الطين الصناعي، أو ينسجون منها أشكالًا صغيرة تفيض بخيالهم. يتنقل بينهم في هدوء، يوجه هذا، ويشجع تلك، ويشارك ثالثًا فرحته بما أنجز. في هيئته وحركتهودفء ابتسامته ما يوقظ إحساسًا مألوفًا؛ لا يخطئه العراقيون، وكأن بينهم علامة خفية تسبق الأسماء والكلمات.

عند الاقتراب من مكانه داخل الورشة، يرفع رأسه عن عمله، وتتعلق عيناه بالوجوه القادمة لحظة قصيرة، تتسع ابتسامته، ثم يبادر: من أين أنتم؟ما إن تقع كلمة «العراق» على مسامعه، حتى يتبدل وجهه في لحظة. يترك ما بين يديه منغير تردد، ويقبل سريعًا، فاتحًا ذراعيه، كأن الغربة اختصرت المسافة بين غرباء لميعودوا غرباء. يضمهم مبتسمًا، ثم يقول بصوت امتزجت فيه الدهشة بالفرح: وأنا أيضًا عراقي.

تنتهي لحظة الدهشة الأولى، ويجلس أشرف إلى جوار طاولة امتلأت بألوان الأطفال وقطع الطين التي لم تكتمل بعد. يتحدث بهدوء واثق، ويبدأ بتقديم نفسه. يقول إنه من الموصل،وإنه غادر العراق إلى السويد ضمن برنامج لحماية الفنانين، بعدما أصبحت ملاحقته على يد داعش خطرًا حقيقيًا خلال سيطرتها على المدينة عام 2015. حمل معه بعض الذكريات، ووخزة عتاب لم تفارقه، وترك وراءه مدينة كانت تفقد، يومًا بعد آخر، تلك الملامح التي أحبها.

في السويد لم يضع الفرشاة جانبًا. مضى يرسم، ويعرض أعماله، ويشق طريقه بين المعارض الفنية، حتى امتدت مشاركاته إلى ألمانيا واليابان، وأصبح اسمه معروفًا في أوساط الفنانين الشباب.

وخلال حديثه، لا يتوقف عن متابعة الصغار. ينحني إلى طفلة تكاد تفقد قطعتها الطينية توازنها، فيعيد تشكيلها معها من غير أن ينتزعها من يديها. يربت على كتف صبي أنهى لوحته، ويقوده إلى زاوية الضوء ليرى ألوانها من جديد. كان واضحًا أن الأطفال لا يرونفيه معلمًا فحسب، وإنما رفيقًا يشاركهم اللعب، ويترك لكل واحد منهم أن يعثر على فنانه الصغير بطريقته.ومع أشرف، يتسع الحديث عن فنان شاب إلى حكاية وطن بأكمله، فتأخذ الذاكرة إلى سؤاللا يهدأ: كم من أشرف غادر العراق، بعدما ضاق الوطن بأبنائه، واتسعت لهم أوطان أخرى؟

تكاد الحكاية تتكرر بأسماء مختلفة. فنان يكتشفه الآخرون قبل أن يكتشفه بلده. باحث يجد مختبره في جامعة بعيدة. طبيب يُطمئن المرضى بلغة غير لغته، ويُسهم في بناء نظام صحي لم يولد فيه. وعالم يضع خبرته في خدمة مجتمع لم يعرف طفولته. يرحلون حاملين معهم أثمن ما تملكه الأمم؛ عقولها وخبراتها وطاقتها على الإبداع. والمفارقة أن هذا النزفلا يبدأ عند بوابات الحدود؛ فالوطن قد فقد أبناءه قبل ذلك بوقت طويل، يوم عجز عن
احتضانهم، وعن أن يجعل البقاء فيه مشروعًا للحياة. منذ أن بدأ الأمن يتجسس على النوايا،وتعاقبت الحروب، وفرض التطرف منطقه، وتضييق أبواب المستقبل، حتى انتهى الأمرإلى ساسة كلما استعصت عليهم الأزمات، ازدادوا براعة في إغلاق تلك الأبواب.يمضي الوقت أسرع مما ينبغي. يعود الأطفال إلى لوحاتهم، وتعود الورشة إلى ضجيجها الهادئ، ويستعد الجميع للمغادرة. يرافقنا أشرف حتى باب المبنى الصغير، وكأن دقائق الحديث لم تكن كافية لاختصار سنوات الغياب. تتبادل الأيدي مصافحة أخيرة، ثم تتحول،من غير اتفاق، إلى عناق طويل. لا يقال فيه الكثير، لأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات. وحين تتراجع الخطوات، يبقى كل واحد ينظر إلى الآخر لحظة أطول مما تقتضيه المجاملة، كأن شيئًا من العراق كان حاضرًا، ثم أخذ يستعد للرحيل من جديد.يلوح أشرف بيده، ويعود إلى حياته التي صنعها هنا، وتبقى الموصل تمشي معه، لا في حقيبة، ولا في وثيقة، وإنما في نبرة صوته، وفي لهفته كلما سمع اسم العراق.تمضي السيارة مبتعدة، ويظل هو واقفًا، حتى يغيب عن النظر. عندها فقط يخطر في البالأن الغربة ليست أن يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، وإنما أن يظل الوطن يسكنه، كلما ظنأنه ابتعد عنه.
***
1/6/2026