كان صباح لاهاي رماديًّا، لا حزن فيه ولا بهجة، هادئ على نحو يجبرك أن تسايره. يتسلل من خلاله الضوء بخجل، ويمر الهواء كمن يعتذر عن الازعاج.
الشوارع التي كانت بالأمس تمتلئ بدراجات وموظفين وصخب مكاتب، بدت اليوم خاوية، إلا من أثرها، كأن المدينة أغلقت عينيها وقالت: يكفيني هذا اليوم.
نظرة سريعة بيننا، ثم لجوءٌ فوري إلى العم "غوغل"، الذي أفصح عن السر: عطلة رسمية.
وهولندا، حين تُقرر أن ترتاح، تفعل ذلك بنزاهة كاملة. لا مقاهٍ مفتوحة، لا مخابز ترحب برائحة الخبز الطازج، ولا حتى مقهى صغير يمنحك فنجان البداية. وإذ لا شيء يُغري بالبقاء في مدينة اختارت أن تحلم، حملنا أنفسنا وانطلقنا شرقًا، حيث الريف الهولندي يفرش ذاكرته أمام العابرين.
دخلنا ديڤينتر من جهتها الغربية، فكانت المدينة، التي تطل على ضفة نهر آيسل، تُشبه شيئًا نقرأ عنه أكثر مما نراه. ثم كأن الزمن أراد أن يهمس، فتسللت إلينا حكاية قديمة — حكاية راهبٍ عبر البحر ليزرع فكرة، بدأت عام ٧٦٨م، حين كانت قبائل الساكسون تسكن ضفاف النهر، وتعبد آلهة الغابة والريح والصواعق، وصل هذا الراهب من بلاد الإنجليز. اسمه ليبرتانيوس، لا شيء في مظهره يوحي بالقوة، سوى الإيمان.
والإيمان، حين يتجسد في هيئة إنسان، يصبح له صوت، وصبر، وسكون غريب.
اختار تلة صغيرة تُشرف على النهر، وأقام فوقها كنيسة خشبية متواضعة، لم تكن سوى كوخ مصلّى، صار أول حجر في قصة هذه المدينة. كان الراهب يعرف أن الكلمة لا تُزرع بالعنف، فحوّل كنيسته إلى مركز فكري وتعليمي، علّم فيه الأطفال والرجال والنساء، قرأ لهم، وصلى معهم، وروى حكايات أخرى عن إله واحد يسكن القلب، وليس الغابة التي اليها يرجعون. بدأ الناس يقتربون منه بحذر، ثم بحميمية، حتى استقر البعض حوله، وتكوّنت قرية صغيرة، كأن الأرض كانت تنتظر هذا الصدى كي تنبت عليها مدينة. ولما قوي صوته واتسعت دائرة أتباعه، لم يكتفِ بالسكون.
دخل أحد المعابد الوثنية الكبرى، صعد درجاته الحجرية بثقة عالية، ثم وقف تحت تمثال "ثور"، الإله الذي يُرهَب اسمه، وقال
"إني لا أحمل سيفًا، بل دعوة، لا لتمزيق ما تؤمنون به، بل لأريكم ما يمكن أن تؤمنون به" عندها اهتزّ المكان، انقسم الناس، صرخ البعض، وفكر البعض، وصمت البعض الآخر. حدثت على إثرها اضطرابات، صدامات، لكنه لم يختفِ. ظلّ هناك، يحكي، ويصلي، ويصغي. حتى جاء اليوم الذي أسلم فيه الروح، منهكًا من سعي طويل، مبقيًا خلفه أتباعًا، وكلمة، ومدينة بدأت تنمو. ومن أجل ذكراه، أقاموا فوق التلة ذاتها كنيسة سانت ليبراتيوس، التي ما تزال حتى اليوم عامرة، بعد أكثر من اثني عشر قرنًا، تُطل على النهر نفسه، وتحرس الحكاية. تكاثرت من حولها وقريبًا منها البيوت، وتعددت الأزقة، فكانت المدينة القديمة التي بقيت شاخصة، مع بعض الحداثة التي لم تشوه أصلها، ولم تُطفئ الروح التي تسكن وسطها بين الحجارة، وكي تبقى هذه الروح فاعلة في المدينة أقامت سيدة هولندية عاشقة لأدب تشارلز ديكنز متحفًا صغيرًا، وكأنها تقاوم به النسيان.
جمعت عبر سنوات مقتنياته، كأنها تنقذ ما يمكن إنقاذه من عصر مضى، وضعته في متحف بلا ضجيج أو دعايات. مجرد باب خشبي قديم ولوحة صغيرة، كأن المكان لا يريد أن يُكتشف إلا لمن يبحث بقلبه.
دخلنا، وكأننا نخطو إلى غرفة معيشة في زمن فيكتوري. الكتب مُصطَفة بخشوع، الرسائل خلف زجاج مضيء، قطعة أثاث هنا، ومصباح غازي هناك. كل شيء يحتفي برجلٍ عاش ليكتب عن الحزن والكرامة. لقد رحلت السيدة كما رحل الراهب وبقيَّ أثرها حاضرًا مثل أثره، لأنها مثله لم تأت لتغيّر كل شيء، بل لتحرس شيئًا صغيرًا، أنقذته من النسيان. كان المتحف آخر خطوة في هذه المدينة الجميلة، واصلنا من بعده السير في أزقتها القديمة، ثم جلسنا على مصطبة نفكر في الراهب، وفي السيدة، وفي كل من آمن أن الأشياء الصغيرة تستحق أن تُبنى، أن تُصان، أن تُروى. ثم حان الوقت، فتركنا ديڤينتر خلفنا، لكنها لم تغادرنا تمامًا، بقيَّ شيء منها في الصدر، في الزجاج الأمامي للسيارة، في الطريق الصامت بين الكلمات، وبقيت الحقيقة: أن المدن التي تمنحك قصتين في زيارة واحدة — حكاية من زمن بعيد، وأخرى معاصرة — لا تُنسى، ربما لأن بعض الأماكن تعرف كيف تزرع أثرها فيك، ثم تمضي به معك ... أينما ذهبت. .






