تامبا الجولة الحرة


حل الصباح مثل غيره من صباحات انتهت طوال سبع عقود، لكل واحدة منها تذكار وطعم وبلد فيه تسوح، تقضي وقتاًيضيف الى العمر ساعات من المَعرِفة وأيام، وصباح هذا اليوم في مدينة تامبامن فلوريدا الولاية التي توصف جميلة...مدينةٌ تتوسد في نومها خليج المكسيك، مترامية الاطراف، يغطيها السائحبسيارة يستأجرها وسائق يعرف المهنة ومعالم ريف وحَضرْ، وساحل على طول بحرْ، رملهُ أبيض فيه سحرْ، وكثر بحيرات ماؤها مخضّر بلون الشذر، شرع في السير سائقنا المقتدر، مر عبر شوارع واسعة بأربعة ممراترواح ومثلها مجيء وبيوت بحدائق مفتوحة لا حاجز بين الجار والجار من حجر،ولا سياج يفصل ولا أحد يحتج ولا على رأي يُصِرْ، أمامالواحد منها أحياناًيخت صغيرأوبيت متنقل،وفي غالب الأحيان سيارة أو أكثر.

توقف عند بحيرة صغيرة،سألتُ لم السياج، قال فيها تمساح، وعاودت السؤال ومن أين لها التمساح، فعاود هو الجواب، كل بحيرات المدينة تحمل تحذيراً عن احتمال وجود تمساح، يأتيها من طير يحمل بيوضتماسيح يرميها هناك فتفقس. والتمساح هنامَحْمّي بقانون، يبقى في أي بحيرة أو بركة ماء يشاء حتى بلوغه اثنتا عشر قدماً عندها تنقله الشرطة المختصة الى محميات له طبيعية.

ارتأىعبورهذا الشأن فالقصص عنه كثار،والسير صوب البحر، فالمغيب عنده جميل، والماء هناك عليل،من يسبح يحصل لجسمه جرعة نشاط منعش ومن يمشي يستنشق هواءً مشبعاً بملوحة بحر فيحصل الجسم من النشاط جرعتان.

بان البحر وساحله،رمله أبيض بنقاوة ذرات الثلج، يمتد أبعد من البصر، يغص بالناس من كل الأعمار، الغالب في الماء القريب يعوم شيب وشباب وعند حافاته يلعب أطفال ترسم الأمواج الخفيفة على وجوههم سعادة ماء لا توصف، تَحِفُ به حدائق وَقفَتْ بها شامخة عمتنا النخله، شكلها وهيبتها نخلة البرحي العراقية، لكنها لا تحمل رطباً مثل برحينا ولا المكتوم فالجو غير مناسب،بينها وفي هوائها الطلق فرقةشعبيةمن حولها عشرات يتفرجون، وآخرين يمشون، وممر خشبي على جانبيه أصحاب بسطيات تبيع تحف للذكريات ومستلزمات صيد، ممرٌينقلهواة الصيد الى أماكن في زواياه يصيدون، ويحمل من لا يريد السبح، ينقلهمشياً داخل البحر لأكثر من مائة متريضعهم على منصة أوتادها راسخةفي ماءه، وسطحها عليه يعوم،المرور منه والتنقل عليه لقاء دولار واحد، لإدامة المكان، وقف في آخر زاويةطفلفي العاشرة يصيد، رمى سنارته، جالساً ينتظر بصبر، خلفه نزلت الشمس وسط المحيط وبين غيوم متفرقة فكونت مغيباً بألوان تبهر،تجعلالناظر يتخيلهاتودعه ذاهبة الى مخدعها لتجدد عودتها ناشطة بعد يوم، ويتخيل الغيوم من حولها ستر لغفوتها كي لا يقلقها الانسان. يخوتشراعية تجوب المكان، وآخرين يتمرنون على التجديف، وطائرة سمتية تحلق مستأجرة من سواح. فكان الماء والخضرة ووجوه الحسان والمشي حفياً على الرمال سبباً حرك المعدة معلنة حاجتها الى الطعام، سأل صاحبي عن الأكل الحلال، لا يقتنع الا بعلامة تنبئ بالحلال،يناقش ساعات ان كانت الذبيحة حقاً مذبوحة على الطريقة التي توصف بالحلال، أم قُطعت رقبتها بسكين آلي، ختم نقاشهيعقل هذا أم لا يعقل أنا لا أقتنع الا بعلامة الحلال، فكان الحلال الوحيد على هذا الساحل الجميل، مطعم ايراني صاحبه مهاجر ترك بلده بعد ذهاب الشاه، يقدم أكلاً ايرانياً وشرقياً لذيذاً مكتوب عليه حلال،تَختْمُ برامجوجباته راقصة ايرانية مزجت في رقصها فناًفي الرقص الشرقي،بعضه ايراني وبعضه الآخر عربي، رقصت بين موائد الطعام صفق لها جمهور بينه أمريكان بيض وسود وبينه عرب مهاجرين وسواح قادمين من كل الألوان.

طريق العودة أختاره السائق عمداً يتمدد وسط مسطح مائي حواليه جزر خضراء قوامها أشجار ونخيل،منهيرى جسراًعلى أعمدة وسط البحر يربط المدينة بمدينة أخرى يمتد أميال، لم يَتغنَّ به أصحابه في أعيادهم ومناسباتهم،ويعطون له ألقاباً يكون فيهاهو الأطول والأكبر في العالم مثلما تغنينا وأكبرنا نحن بجسر في بغداد ذو الطابقين وعدنا تسميته مرتين.

تامبا ٢٥/٧/٢٠١٧