بيروت الجميلة


من طلة شباك في الطابق السادسلفندق على البحر الأبيض المتوسط، تعطي انعكاسات الضوء القادم من شمس الصباح على مياهه النظيفة قدراً من الزرقة تشبه ذاك الكحل في عيّني لبنانية من أهل الجبل، زرقة تجعلهذا البحر ومن يمشي على ساحله ومن يجوب مياهه بزورق يلف به حول صخرة الروشة مروراً بتجويفها كأنهلوحةرسمها فنان مبدع تعمد الزرقة لوناً هادئ الطباع.

يمتد البصر بعيداً طول النهار، يبقى كذلك حتى انطباق السماء على مياه لا حدود لهاليكوّنُ أفقاً، يبعث على الإيحاءٍمن أن الأشياء هنا في هذه البقعة من أرض الله جميلة،بجبال خضراء تحيط ساحل بحر كونا معاً مدينة تداخل فيها البناء بين الجبل والساحل،أعطاها شكل بساط بزخرفة حرير فارسية، وفي الليل قناديل بحر مضيئة في خلجان جزر يابانية، نهايتها شارع يحاذي البحر طويل مكتظ في النهار وبعض من الليل، عشاق يتهامسون بعيون تأخذ من سطوح الماء ركناً، كأنهم يضعون بهمسهم والنظر الى الماءنهايات سعيدة لعشقهم الميسور، وكأن في مغادرتهم المكان في مواجهة البحر والأياديمتشابكة بعضها البعض هم من عالم آخر ليس له علاقة بعالم آخر منهم قريب، يُحَرِّمُ الهمسَ قولاً وفعلاً ليعيش العمر كئيب.

شباب يركضون هرولة وآخرون شيوخ، وبنات بعمر الورود.

كثير هم الذين يركضون صحة ونحافة ونقاوة روح.

قريب منهم آخرون لا يركضون، صائدو سمك بسنار طويل،يقف أحدهم على صخرة ناتئة تمتطي ظهرالماء، وَصلها قبل الشروق ثم غادرها بعد الظهربحاصلصيد من السمك لا يملأ جيب، قال عن نفسه هاوٍ لا أقصد كم الصيد، أجد في البحرقدراً من الترويح، أرمي فيه كل آلامي وهموم عيشي، أشكو له أحزاني، أتأمل عود اليه يوماً مثل الخروج منه قبل يوم.  

شيخ جاوز السبعين معتدل في جلوسه كأنه في ربيع الخمسين، أخذله مكاناً على مصطبة خشبية من بين عديد وزعتعلى أرصفة الشارع بانتظام،جُعلَتْ مكاناً لمن يريد التأمل في بحرهم الهادئ.

حالَ الجلوس الى جانبه سأل عن بلاد الرافدين، عن حروب غلٍ يعتقدها قائمة حتى الآن، وبعد الاستفسار عن حروبه هو، أجاببحسرة ملكومكم أخطأتوأصحابيمن أبناء ذاك الجيل الممتد الى سبعينات القرن الماضيعندما ولجنا القتالنيابة عن الغير من أبناء الأمة وأعدائها.دَمَعتْ عيناه عن خسارة عمر في قتال اثْنّيٍبلا جدوى، وعن جروح تسببها وآخرين بلا معنى.ضحك قبل وداعه ضحكة ساخرة من سذاجته مقاتلاًمسيحياً تزوجت ابنته بعد انقضاء الحرب من مسلم جنوبي، تتويجاً لقتال لم يجد له معنى.

غادر الصياد بقليل صيده، وغادر الشيخ المسيحي وحفيد له نصف مسلم، ليحل من بعدهم المغيب، شمس تهرب من نهارها، شعاع لها هزيل يودع نهاراً كان طويل، مئات بل آلاف من أهل البلاد وآخرون من السواح ينتظرون هروبها في مشهد يستحق الانتظار، كأنهم يرون فيه وداع يوم مضى من هذه الحياة لن يعود، وترى أنت على حافتهلقاء صديق عزيز فارقته وعائلته قبل عشر سنين، لتقول كم هو العالم صغير، وكم هي التغيرات التي تحصل على أشكالنا ومجرى الحياة ونهج التفكير، تتذكر في لجة الكلام ونبش الذكريات أيام بغداد قبل الحروب وقبل اغتصابها من الرعاع، تنظر يميناً تنقطع سلسلة الذكرى الممتدة الى بغداد ترى عوائل بيروتوأخرى من شتى البقاع تأخذ من هذا المطعم ومطاعم الى الجوار ركناً فيه يتسامرون، وأخرى في باحةوسطها عشاقٍيبتسمون، وهناك في القريب مرسى زوارق تخرج منه الزوارق تباعاًلقضاء وطراً وسط البحر، وكأن الناس هنا قد نسوا أو تناسوا تلك الأيام السوداء وفنون القتال وان تركت في نفوس العديد منهم معالم سلوك جعلتهم لا يشبهون أجداد لهم لم يكونوا أبطال حروب.

٩/٤/٢٠١٨