بولونيا المدينة القديمة


يبقى القطار حتى اللحظة القائمة هنا والآن وسيلة نقلٍبين المسافات القريبة هي الأسهل والأكثر أمناً في أعراف أوربا التي تغطيها شبكة قطارات واسعة وفعالة،لم تصل في تغطيتها الى الشبكة التي تديرها بريطانيا لما يقارب القرنين من الزمان.

لَزِمَ اليوم الأخير على الأرض الفينيسيةإتمام الخطة سفراً الىبولونيا مدينة إيطاليةتمتلك حصة أسدٍ صارمٍ في تراكم التاريخ،منها يتم التفرق عودة الى مقاصد الانطلاق، فكانت النيةصائبةً والخيار مناسباً وكان القطار الذاهب اليها من فينيسيا الوسيلة الأسرع،أعلنت بوجوده ساعة المحطة تمام الحادية عشر صباحاً فانطلق منها محطة رئيسية ترقدُ قانعةً بموقعها على شاطئ ترعة ماء فاتحة الباب واسعة الى يابسة البر الايطالي من الشمال الى الجنوب.

أنطلق هادئاً كمن يشدو لحناً بوقع خفيف، لحن وداع لمكان جميل. فضي اللون بطابقين، أعلاه يأخذ زاوية نظر لمشهد خارجي أوسع.

من طاولة مستطيلة تحيطها أربع كراسٍ يغلفها قماش أزرق مخضر، ومن شباكٍزجاجي يأخذ جزءً من الواجهة الجانبية بان ميناء فينيسيا وبانت وسطمياههالهادئة هذا اليوم باخرة ركاب ترسو بطوابق تزيدعن العشرة كأنها عمارة فخمة وسط حي سكني مكتظ بالسكان، وبانت من بعد دقائق مسير اكتسب خلالها العملاق الفضي سرعته التقليديةسَوْاقٍ متعامدة لتصريف مياه الأمطار وحقولَزرعٍلخضرة يصعب تمييز نوعها وهوبالسرعة العالية يسير، ومراعي أبقار مترفة يغلبعليها اللون الأبيض والأسود، الواحدة منها تشبه باستثناء الحجم والرفاه بقرة اعتزت بها العائلة طوال خمسينات وستينات القرن الماضي عاشت معها في الجمجمة القرية لؤلؤة شط الحلة وقد أصبحت جدة لأجيال، عزيزة سُمح لها أن تموت ميتة انسان عزيز شاخ به العمر، لم يجرأ عاشقها الأب ذبحها على الطريقة الاسلامية وبيع لحمها أو توزيعه ثواباً وهي المعطاء هولندية الأصل.

يدخل قطارنا السريع مدينة بولونيا معلناً وصوله حسب الوقت المحدد ساعتين سير وتوقف قليل. نصف ركابه أوربيون ومعهم بعض يابانيين جاؤوا ضمن جماعة سياحية.

بانت المدينة من بعده منشغلةبأهلها ومن يأتي من خارجها سائحاً أو صاحب عمل، أو طالبيدرس في جامعة لها عُدَتْ الأقدم في أوربا بتأسيسها عام ١٠٨٨، والأوفر حضاً في تخريج علماء كان لهم الباع طويلاً في نهضة أوربا وثورتها الصناعية. 

سكانها الماءتين والثمانون انساناً يجوبون شوارعها نهاراً وفي الليل، أجوائها جميله تدفعهم الى الخروج عكس دول الشمال الباردة حيث يميل الأهل فيهاالى التزام بيوتهم تاركين شوارعها بعد المغيب شبه خالية. مطبخها متنوع غني بأكلات يمتد بعضها الى البحر المتوسط والى الشرق قليل، وأهل يعترفون علناً أنهم يحبون الأكل. الوقوف وسطها يجعل الواقف في مقابلة برجانيتجاوران عاليان بقدرات الهندسة المعمارية لما قبل تسعة قرون، يوم امتلكت المدينة مائة وثمانون برجاً وسميت للسبب هذا مدينة الأبراج، ويوم قسى عليها الزمن، وكثر استخدامها في رصد الفلك وتجارب الجاذبية الأرضية ومراقبة الأعداء، وأبقى منها عنوةً عشرون برجاً، اعوج بعضها، بينها أحد هذان البرجان، أشر أصحاب التاريخ أنه (گاري سندا) قد تدخلت البلدية لتقصيره عشرون متراً سبيلاً لمنع سقوطه مَيلاناً حسب قوانين الفيزياء.

يجلس شيخ من أهلها قريباً من حافة البرج المعوج لا يأبه لاعوجاجه يدل على وسط المدينة، يسترسل في الكلام مزهواً بكلامه ويقول أنمدينته نشأت قبل الميلاد بألف سنة، هي عاصمة ثقافة أوربية ومدينة موسيقى وكنائس ودار أوبرا، وسطها وقريباً من هذان البرجان، أشار الى شوارع رئيسية عمارتها تجمع بين حضارة الرومان والشرق القديم، ضيقة تحيط بها أعمدة من الطابوق أو الحجر وقليل منها رخام تحمل أقواساً تُذَكِرُببقايا أعمدة كانت يوماً تعلي شأن الرشيد الشارع الأشهر في بغداد وكذلك سوق الحميدية في دمشق الشام.

توقف الشيخ عن الكلام قليلاً كمنيعطي مجالاً لاستيعاب القول ثم أكمل قائلاً ان بولونيا عاصمة مقاطعة أميليا، غنية في إيطاليا غير الغنية،في محيطها مصانعمحركات للسيارات هي الأغلى في العالم، بينهاالفيراري والمزراتي والنبرجيني، ولما أكمل القول رفع يديه مودعاً، ورفع المقابل كذلك كلتا يديه تعبيراً عن انطباع جميل، وعن سفرة انتهت بحفنة ذكريات وقبلة طفل يحمل الجينات ذاتها وبعض آخر من الجينات.

٢٠/١٠/٢٠١٧