يغادر الزائر ظلال إنكايا، ليعود إلى قلب بورصة، تاركًا وراءه ذاكرة الطبيعة، ليدخل ذاكرة التاريخ. ولا يكاد يجد إلى تلك الذاكرة مدخلًا أبلغ من الطوبخانة؛ التلة التي تشرف على المدينة القديمة، وتغمرها سكينة صنعتها قرون ما تزال حاضرة في كل زاوية منها. وما إن يبلغ قمتها، حتى يشعر أن المدينة تركت صخبها في الأسفل. تمتد الحدائق على الربوة، ويقف برج الساعة عند السور الحجري شاهدًا على مرور الزمن، فيما ترقد المدافع العثمانية في أماكنها، بعد أن انتهت مهمتها منذ أمد بعيد. ومن هناك، تنبسط بورصة القديمة بأسطحها الحمراء، وقبابها، ومآذنها، حتى يخيل إليه أنه لا ينظر إلى مدينة، بل إلى تاريخ ما يزال حيًا.
وبين البرج والمدافع، يقود ممر قصير إلى ضريحين متجاورين، يضمان عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، وابنه أورهان، فاتح بورصة وأول من اتخذها عاصمة. هنا، لا يقف الزائر أمام مجموعة قبور فحسب، وإنما أمام اللحظة التي انطلقت منها إمبراطورية عمرت أكثر من ستة قرون، وامتدت عبر ثلاث قارات، وتركت أثرها في تاريخ أمم وشعوب. لهذه القبور الصامتة هيبة تختلف عن هيبة القصور والمتاحف. فالمتحف يحتفظ بما صنعه الإنسان، أما الضريح فيحتفظ بما بقي منه بعد الرحيل. هنا، لا يرى الزائر سيفًا خاض معركة، ولا عرشًا جلس عليه سلطان، وإنما نهاية رجل كانت بداية دولة. ولعل أجمل ما يرويه هذا المكان عن تلك البداية، الوصية التي تركها عثمان. فقد ظل يطوق بورصة، ويراقبها من التلال المحيطة بها، حتى أوصى ابنه أورهان أن يدفنه في الموضع الذي تقع عليه عيناه إذا كُتب للمدينة أن تُفتح. لكن الموت سبقه إلى حلمه، فرحل قبل أن يرى أسوارها تسقط. وحين فتحها أورهان سنة 1326، حمل جثمان أبيه ودفنه في هذه التلة، حيث استقرت الوصية أخيرًا في المكان الذي اختاره صاحبها. وعند الوقوف على حافة هذه التلة، حيث تمتد المدينة نفسها التي شغلت عثمان في حياته، ثم الالتفات إلى ضريحه، يدرك الزائر أن الإنسان قد يرحل قبل أن يرى حلمه يتحقق. غير أن الأحلام الكبيرة لا ترحل بالضرورة مع أصحابها؛ فبعضها يبقى، ويواصل السير على أقدام الذين يأتون من بعدهم.
وحال النزول، يبدأ الدخول إلى بورصة القديمة. لا يحتاج الزائر إلى دليل؛ فالأزقة تضيق حتى تكاد تتسع لشخصين، والبيوت الخشبية تتقارب حتى تبدو شرفاتها تتبادل التحية فوق الرؤوس. ولكل شارع حكاية تراكمت عبر قرون، حتى غدا المكان متحفًا حيًا لا يحتاج إلى أبواب.
في هذه الأزقة، تمشي الحجارة وذاكرة الناس معًا. هنا مسجد يجاور كنيسة، وعلى مقربة منهما كنيس يهودي، في صورة تختصر قرونًا من التعايش، يوم كانت بورصة ملتقى للتجار والقوافل، وللأتراك واليونانيين والأرمن واليهود، يحتفظ كل منهم بمهنته وعاداته، فيما يحتفظ المكان بهويته الجامعة.
وتحتفظ الأسواق القديمة بشيء من تلك الروح. أصوات الباعة، ورائحة القهوة، ودخان الكباب، وواجهات محال الحرير، تمنح بورصة إيقاعًا يختلف عن المدن الحديثة. فهي لا تركض خلف الزمن، وإنما تمشي معه، تاركةً آثاره في جدرانها، وأبوابها الخشبية، وأحجارها التي صقلتها أقدام العابرين. ويمتد هذا الإيقاع إلى قلب السوق، حيث يقف كوزا خان، أشهر خانات بورصة العثمانية. تتوسط فناءه المقاهي، وتظلله أشجار التوت التي تُذَكّر بأن المدينة كانت يومًا عاصمةً للحرير. يجلس الناس تحت ظلالها يحتسون الشاي، بينما تمضي الحركة من حولهم على مهل، وكأن الزمن هنا اختار أن يسير بخطوة أبطأ من بقية المدن. وهنا تبدو بورصة مدينة تعيش تاريخها أكثر مما تعرضه. فالماضي يمشي في أسواقها، ويطل من نوافذها الخشبية، ويختلط بأصوات الباعة ورائحة القهوة. وحين يغادرها الزائر، يكتشف أن أكثر ما يبقى في الذاكرة ليس الضريح، ولا الشجرة العتيقة، ولا الأسواق القديمة، وإنما ذلك الانسجام النادر بين الإنسان والمكان. هنا، لا يُهدم القديم ليُقام الجديد فوق أنقاضه، وإنما يُفسح له مكانًا ليبقى جزءًا من الحاضر. ولعل هذا ما يجعل بورصة أكثر من مدينة؛ إنها درس هادئ في احترام الذاكرة، وإدراك أن الأمم التي تحفظ شواهد ماضيها، تحفظ معها شيئًا من مستقبلها.


