بوابة برلين


قرر ناجح ترك العائلة وقرية الجمجمة التي أحبها، وسنة ثانية طالباً في كلية العلوم منتصف السبعينات، وجد في برلين جذورَ حلمٍ بالوطن الحر والشعب السعيد،صار فيهاوتنقل بين أصقاع ودراسة وتدريس حجة في علوم المال وشهادةدكتوراه، قال أعمل حتى المساء، سأرتب وضعي في جولة تجمعنا في مساءٍ خريفي لبرلين يستحق التجوالمشياً في بداية المشوار.

وقف عندأعمدة البوابة البرلينية أشر على ما تدمر منها في الحرب وعلى تمثال (الكوادريغا)، عربة تجرها أربع خيول، والفنان (يوهان غوتفريد) صاحب التصميم،وأنتقل في التأشير صوب المقر الرئيسي للمستشارية الالمانية مطبخ سياسة لم تنس صاحبته الشرق، تمهل في المشي أمام سياج وضعت عليه علامات صليب لأسماء مَنْ قُتلَ في محاولة اجتياز الجدار، صارت تذكاراً لحاضر وقادم أجيال. أقترب من أشجار كثيفة بلا سياج، قال هذه حديقة (التير بارك) غابة تمتد داخل المدينة عدة كيلومترات، لوحة خضراء تزين وجه برلين، ورئة يتنفس منها البرلينيون حتى أنهم ويوم فكرت البلدية استغلال بعضها لمشاريع بناء خرجوا محتجين وَقَعْوا عريضة رفضٍ امتثلت لها الحكومة، وأبقتها كما هي تتخللها ممرات للمشي ولراكبي الدراجاتوسناجب تمرح بين الحين وأرانب وثعالب تناسلت منذ كانت غابة صيد حكراً للأمراء أيام الامبراطورية، زادتها حديقة حيوان في قسمها الغربي.

هذه بحيرة وتلك مساحة خضراء وعلى الجانب برج يرتفع (٣٦٨) متراً بناه الشرقيون ليراقبوا الغربيون، صار حاضراً موقع بث للتلفاز ومطعم في الأعلى ترى منه كل برلين.

قال نجلس هنا، مطعم ألماني مطبخاً وتراثاً في مدينة امتلأت بمطاعم من كل الأجناس، جلوساً من مستلزماته التكلم في السياسةوالتنقل في دهاليزها بين العراق وألمانيا وبابل والقرية وحديث عن مستقبل يراه واعدا للعراق، وأسباب الفساد.

- هل لديكم فساد.

لملم شتاتَ أفكاره، أخذ رشفة من قدح بيرة برلينية مُطَعّمةٍ بالخُمْرَةَ تَغَزَلَ بها قبل الطلب. قال نعم في قضية مطاركان مؤملٌ انشائه ثالثاً في برلين لم تعد تسد حاجة السفر منها واليها مطاران، شرعت ببناءه الحكومة عام ٢٠١١، رصدت ثلاثة مليارات ومائتي مليون يورو، ظهر موظف حكومي وسط المشهد، قدم مشروعاً تتبنى شركتهالحكومية بناء المطار، لتوفيرثلاثمائة مليون، أقنعَالحكومة، تم الشروع بالعمل، تلكأ العمل، تبدل مشرفون ومقاولون ثانويون عدة مرات، ارتفعت التكاليف الى خمس مليارات، لمْ يُفتح المطار. لا أحد يعرف السبب ومتى سيفتح المطار،وقبل الوصول الى حل يسمح بفتحه أشار المختصون أنه بحاجة الى توسعة فعدد المسافرين من والى برلين قد تضاعف وسيتضاعف في قادم السنين.

قال لا يذهب تفكيرك بعيداً، لم يكن فساداً ذمياً، بل فساد من نوع خاص،فساد كفاءة وَتَدخلٌ حكومي في تفاصيل التنفيذ، ولدعم وجهة نظره هذه أكد أن شركات ألمانية ومنذ العام ٢٠١١ بنت في الصين فقط خمسة مطارات أكبر من هذا المطار المؤمل في برلين وبكلف أقل.  خاتماً بالقول إنها قصة فشل حكومي ألماني تعد غريبة.

ترك السياسة والفساد وأعمال الاقتصاد وأكد حلولوقت العشاء، واختياره نوع العشاء أكلة برلينية مشهورة، سأل النادل عنهافهز رأسه موافقة،وعند السؤال عن طبيعتها قال لا يجوز السؤال، سَتُعْجبُ حتماً دونما سؤال.

نصف ساعة كلام عن الذكريات وبابلالأثرية وجيل يكبره ثمان سنوات، جاء العشاء صحون معدنية فضيةيملأها اللحم، وكأننا في دعوة عربية، قال لا داعي للقلق من دهون فوق السطح، هناك شراب نباتي خصيصاً للهضم يقدم بقدح يشبه قدح الشاي بعد اتمام العشاء.

سألتُ ثالثة بعد الانتهاء عن نوع الطعام، قال بكل هدوء إنها كوارع خنزير.

- ستتحمل ذنب الحرام.

قال نعم سأتحمل ومفهومي لحساب الذنوب عند الله نصفها غفران.

ونصف ما تبق من النصف كذلك غفران.

والربع الباقي مرشح أن تمحيالحسنة عشر سيئات، جعلتني أشعر بالأمان.

٩/١١/٢٠١٧