لبغداد وجوهٌ شتّى، يقبع بعضها خلف نقابٍ مخمليّ. شوارعُ أرهقها الزمن، تتناثر فيها حفرٌلم تُردم، وأرصفةٌ اكتمل بعضها، فيما بقي بعضها الآخر معلّقًا بين وعدٍ وتأجيل، كأنها تنتظر مواسمَ انتخابٍ أخرى تُفتح فيها الخزائنُ الخفيّة، ويُعاد تشكيلُ الوعي باستدعاء الهواجس وإيقاظ الفتن. ولها أزقّةٌ يبدو الماضي فيها أكثر حضورًا، كأن الزمن ترك الأجمل وراءه ومضى.

غير أنّ ما يُدار في العمق لا يلبث أن ينعكس على السطح؛ فبمجرد الخروج إلى الشارع،يتبدّى الأثر في الإيقاع اليومي للمدينة. قريبًا من ساعات الذروة ونهاية الدوام يحلّ الزحام؛زحامٌ لا يشبه مجرد تباطؤٍ عابر: سياراتٌ مصطفّة تبدو عالقةٌ في زمنٍ متوقّف، وتكاتك تتسلّل بين الفراغات، وأبواقٌ تتعالى بلا انقطاع. وجوهٌ متعبة تراقب الطريق بقلقٍ صامت،وسيرٌ لا يتمّ إلا على مهلٍ شاق، كأن المدينة تختبر صبر سالكيها عند كلّ من عطف. هناك فيذلك الاختناق شوهدت صبيةٌ بين الصفوف تمضي بخطواتٍ متردّدة، تمدّ يدًا خجلى، تطرقعلى النوافذ الموصدة. في ملامحها استسلامٌ صامتٌ فرضته الضرورة؛ عينان واسعتان تحملان بقايا حيرةٍ أكثر من رجاء، وثوبٌ باهتٌ يشهد على تعبٍ أطول من عمرها. تتحرّكبين السيارات كما لو أنها جزءٌ من المشهد اليومي، حضورٌ مألوف في مدينةٍ اعتادت أنترى الفقر عابرًا بين إشارات المرور.

في هذه الساحة، وعلى امتداد شارع الجمهورية إلى الشورجة وما بعدها، بدا الزمن نفسهم تثاقلًا، والدقائق تمتدّ على نحوٍ يرهق الإحساس، كما لو أن المدينة عالقةٌ في لحظةٍ لاتمضي سريعًا ولا تتراجع. ومع تراكم الصخب والتوتر، يتسلّل شعورٌ خفيّ بأن الفوضى في الشوارع تمتدّ ظلًا ثقيلًا إلى ما وراء هذا المشهد المتكرّر.

وفي ذلك البطء القسريّ، حين يُتاح للعين أن تتأمّل ما حولها، تتجاور المحالّ والوجوه العابرة والبسطيات إلى جوار المطاعم والكافيهات. تلوح معالمُ الثراء على نحوٍ لافت،يقابلها عوزٌ ثقيل يتجسّد في وجه طفلٍ حافي القدمين يدفع عربةً خشبية أكبر من قامته. يداه الصغيرتان تمسكان بالمقبض أو تمسكان بتلابيب اليوم كلَّه، وعيناه، اللتان كان يُفترض أن تنشغلا باللعب، تحملان جدّيةً مبكرة لا تليق بسنّه. لم يكن يدفع عربةً فحسب، بل يدفع زمنًاأثقل من عمره؛ عبءَ بيتٍ ينتظر ما يعود به، وأسرةً تتعلّق بخطواته المتعثّرة بينالسيارات. ووسط هذا التباين المتجلّي في تفاصيل الحياة اليومية، تبدو مظاهرُ التديّن حاضرةً في عدد الجوامع وفخامتها، يقابلها ما يشي بتبدّلاتٍ واضحة في القيم والسلوك؛تُمنع الخمور في العلن، وتُفتح منافذها في الخفاء، لتحرسها وجوهٌ ترفع شعارات التقوى،وإلى جانبها بيوتٌ تُدار للسمسرة وعقد الصفقات. تناقض صار جزءًا من الإيقاع العام،وكأن المدينة تمضي في جدلٍ صامت بين ما يُقال وما يُمارَس، بين الشعائر والسلوك، وبين الخطاب والواقع.

ويظلّ هذا التباين، بما يخلّفه من ضغطٍ خفيّ، حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يتسرّب إلى أحاديث المقاهي ونبرة المجالس. فما إن يجتمع الناس حتى ينزلق الكلام إلى شؤون البلاد؛ عدمُ رضا عن إدارةٍ مُرهِقة، ويأسٌ يتنامى من إمكان الإصلاح، وتعلّقٌ متردّد بأوهام تغييرٍ لا يُوثق به. ويتداخل ذلك مع ترقّبٍ قلقٍ لتطوّرات الحرب مع إيران، بين من يراه اخلاصًا متوهّمًا، ومن يخشاها بابًا لمجهولٍ أثقل. وفي هذا الانقسام، يبدو المستقبل فضاءً

مضطربًا، تحكمه الهواجس بقدر ما تحكمه الوقائع، فيما يقف المواطن حائرًا: يؤيّد اليوم ماينتقده غدًا، وينتخب بلا يقين، كأن الوطن نفسه يتخبّط بين تحوّلاتٍ نفسية لم تستقرّ بعد، من استبداد الفرد إلى استبداد الطائفة، ومن ظلم القرابة الى ظلم المصالح..هكذا تمضيالمدينة، أو وجهها المنقب، مثقلةً بشيءٍ غير مرئيّ لكنه محسوسٌ في الوجوه والنبرات،حتى غدت الطمأنينة مطلبًا مؤجّلًا.

***