الحافلة


أخذت لها مكاناً قريباً في الحافلة المتجهة من بانكوك الى بتايا، يغلف السهرمحاق عينيها الزرقاوين بقليل من السواد جعلهما ناعستين، لون بشرتها الخمريوطول قامتها، يعبران عن جمال فيه ملامح أجنبية. تمسك في يدها اليسرى كتاباًقَلبَتْبعض صفحاته بإمعان، وفي اليد اليمنى قطعة قطن مضغوط، تزيل ما بقي على وجهها من مساحيق الليل.

تمتمت بلغة محلية كلاماً يكاد لا يسمع، حركات جسدها تعبر عن تذمر من شيء ما، حسبتُ تأخر الحافلة عن موعد الوصول أكثر من ساعة هو السبب... فكان سبباً يشجع الجالس قريباً أن يدخل معها في حوار، وتبين فيما بعد، هي الأخرى تريد حوار فضفضة، وتخفيف قلق التأخير.

قالت دون تردد، أمها أمريكية جاءت تبحث في الديانة البوذية قبل ثلاث عقود، عشقت أباها التايلندي الفلاح في ضواحي بتايا، فكانت هي الثمرة الوحيدة لزواجهما الصامد حتى الوقت الحاضر.

ضحكت دون استهزاء، عدلت من جلستها على الكرسي،وكأنها في صف دراسي عندما سمعت همساً بالعربية عن رشاقةلا تمتلكها إلا عارضة أزياء.

ردت ببضع كلمات عربية وأكملتها بالإنجليزيةقائلة:

ـ أفهم العربية، لأن كثير من زبائني عرب.

قال صاحبي، وما علاقة العرب بعرض الأزياء؟. فردت بثقة أكثر رصانة:

- لم أقل أني عارضة أزياء، أنا راقصة تعرٍ في نادي ليلي، أوفر بعملي هذا، مصروف دراستي الجامعية، في السنة الأخيرة قسم الفيزياء،سأتخرج هذا العام.

لم تتحرج من الاجابة، بل كابرت في الرد على سؤال صريح حول مستقبلها،فقالت:

يئست من أن أحصل على عمل، يكفي دخله تسديد مصاريف دراستي الجامعية، فاستثمرتجسدي الذي يتجاوز العشرين عاماً بقليل، توقفت قليلاً وكأنها تتحسر، وأكملت:

- لابد أن أعمل،وهناك العديد من زميلاتي يعملن في تجارة الجسد،أهلنا لا يستطيعونتسديد مصاريف الدراسة، ولا يمكننا الحصول على قروض دراسية كما هو حالأهلالغرب.

التفت صاحبي نحوي قائلاً بكلام شبه صامت:

- أيقنت توي أننا في نعيم. فسألتمستعجلة:

- ماذا تقول؟. رد عليها بهدوء:

- رَددتُ مثلاً عندنا هو: العمل شرف.

خفف الحوار الشيق هذا إزعاج التأخر عن الوصول المفروض الى بتايا التي قصدناها في طريق يزيد عن المائة بأكثر من ثلاثين كيلومتراً، يدفع أصحاب السيارات رسوماً للمرور عليه، مزدحم جداً، لم تنقطع عن جوانبه مشاهد المخازن، ومعارض الشركات، والمصانع، ومحال تصليح السيارات، وبحيرات أسماك، وأشياء أخرى كان الحوار سبباً في عدم التركيز عليها، ومع هذا فانه طريق سريع لا يقترب في الحال من تلك الطرق السريعة في الغرب.

قالت: هذه محطة بتايا للحافلات، فندقكم ليس قريب، عليكم الذهاب بسيارة أجرة، واذا تجدون صعوبة في هذا، لدي الاستعداد إرشادكم اليه.

شكرناهاعلى موقفها ومتعة الحوار المفتوح، فلوحت بيدها مودعة.