آخر المطاف


قضى صاحبي نصف نهاره الأخير في رزم حوائجه وما اشتراه، وترتيب شنط أثقلها الوزن، وضع الحاجة هنا، نقلها الى شنطة أخرى ثم حولها الى كيس هناك،قال ستبقى الزيادة ماثلة في الوزن، لامَ نَفْسهِ وعاطفة في داخله لبتْنداء قوائم تملى من الهاتف النقال على مدار الساعة واليوم، استسلم لأمر واقع متأملاً التأثير على موظف الخطوط دون الأخذ بالاعتبار طبيعة القوم هنا وتمسكهم بالتعليمات التي تبقي كل شيء محسوب بقياس المسافة والوزن.

رن جرس التنبيه معلناً السادسة صباحاً، نزلَ بشنطٍ ثلاث وأخرى معلقة على الظهر، وخامسة يدوية مسحوبة وكيس منفرد، عهدلي بشنطة، وأخرى يدوية، وأثنان مسموح بها وثالثة عدت زيادة في الوزن، وفي آخر مرحلة تفتيش في مطار تامبا تبين وجود سائل في شنطة الظهر، أصر الموظف عدم عبورها، حاولنا معه مراراً، قال عودوا الى أول نقطة واشحنوها مع الوزن، واذا بالوقت يأزف وبوابة الخروج على وشك غلق منفذها الى الطائرة، فأقتنع تركها خسائر معركة غير محسوبة، مبتئساً، عين عليها وعين على طائرة لو أقلعت لتضاعفت كلفالتذكرة أكثر من ألف دولار.ودعته في مطار دلاس، مع قصة أخرى للوزن.

اتجهت طائرةالبوينغ (٧٧٧) الى ايسلندا، جزيرة شمال المحيط الأطلسي عند النظر اليها من الأعلى البعيد تبدو وكأنها سلحفاة عائمة، أخذتْ وقتاً اليها ست ساعات طيران فوق المحيط، بليل نصف نهار، حلقت على ارتفاع خمس وثلاثون ألف قدم، غالبية ركابها نيام، في الساعة الخامسة وثلاثون دقيقة فقدت قدرتها على الرفع فجأة، نزلت عدة مئات من الأمتار، بسرعة جعلت قلب الواحد يخفق نفحاًكمن يحاول الخروج خنقاً من الفم، فقدت سيدة في الجوار وعيها، وطفلتها تصرخ، امرأة في الخلف تصرخ، ورجل في الأمام مسلم ينطق الشهادة، نداء من مضيفة هي الأقدم بصوت في حشرجة قلق واضح:

مطبٌ هوائي حاد اربطوا أحزمكم وانحنوا صوب الكراسي التي أمامكم، ثوانٍ حسبت دهراً، عرض العقل خلالها شريط ذكريات عجيب، لأحداث بدأت منذ الطفولة حتى لحظة الفقدان، بعضها كان مطوياً في قعر الذاكرة لم يظهر على سطحها طوال عقود، زاد الأمر سوءً ميلان مقدم الطائرة الى الأمام كأنها تهوى، ماء المحيط واضح من الشباك يقترب من الناظر بسرعة عالية كونت خيالات عن تيه قد يكون في المحيط وأسماك قرش، وأشياء أخرى لا تبق ثابتة على صفحة العقل، صارت تتقلب بتقلب المواقف وعلو الصراخ مثل شاشة تلفاز يقلب قنواتها طفل شقي.طيارها ماهر في صنعته عدل ميلان قمرته ولما اطمأن لحال طائرته تكلم شارحاً الوضع والاستعداد للهبوط في مطار ريكيافيك، فتنفس الجميع الصعداء الا جارتي التي سألت لها المضيّفة عن طبيب من بين الركاب، لبى ندائها رجل مسن ساعدها في أن تعود الى حالها مع نوبة بكاء حادة.

ساعات هي الفترة المخصصة للترانزيت قبل معاودة الطيران الى لندن، فرصة يمكن استغلالها لرؤية العاصمة ريكيافيك لهذه الجزيرة التي هي في الأصل صغيرة، وعدد سكانها قليل، لا يزيد عن الثلاثمائة ألف سوى بعشرين، فكان الخيار سيارة تكسي لثلاث ساعات تلف المدينة، بوادر الرفاهية بادية على سكانها جمهورية أوربية، أول من سكنها النرويجيون، ثم أحتلها البريطانيون ومن بعدهم سيطر عليها الامريكان حتى استقلت من جميعهم، وبنت نفسها دولة بدأت أقرب للفقيرة تعتمد الزراعة وصيد الأسماك الى عام ١٩٩٤عندما تحولت مركزا مالياً بفضل دخولها اتفاقات التجارة العالمية وسكان لها سجلوا انتاجاً لواحدهم صنف الرابع على العالم، وصنفت هي دولة تسلسلها الرابع عشر في التقدم، لغتها خاصة تقترب الى إحدى اللهجات النرويجية، أهلها منفتحون، متسامحون مرت عن طريقهم مئات البعثات الاستكشافية الى القطب الشمالي الذي تحاذيه.

عاودت الطائرة رحلتها الى لندن أقل من ثلاث ساعات، نزلت هادئة في مطار هثرو الذي يتميز بسعته وحسن تنظيمه بالمقارنه مع خمسة مطارات تم عبورها خلال السفرة هذه، بينها أمريكية، عند صعود قطار منه سريع الى مركز لندن عاصمة الضباب طُوِيَتْ صفحة سفر لواحد وعشرين يوماً أملا في فتح أخرى ليس بعيداً عن الآن.

لندن ١/٨/٢٠١٧