لقد أثار احتلال العراق وسقوط النظام الديكتاتوري جدلا واسعا ليس في الاوساط العراقية بل وكذلك العربية والعالمية لما له من تأثير على المنطقة والمنظومة الدولية، وفي خضم هذا الجدال هناك من وقف بالضد من الفعل الحاصل بشقيه السقوط والاحتلال لتداخلهما سوية فيذات الاطار دون السماح بمناقشة المعطيات والاسباب التي أدت الى حصوله. وعلى النقيض وفي الطرف المقابل وقف البعض مع هذا الفعل الحاصل دون اعارة الاهتمام للتبعات التي حصلت والتي ستحصل مستقبلا.

وبين هذا وذاك وفي خضم التناقض والجدال السياسي والاجتماعي الدائر هناك طرف ثالث يقف على التل وسطا لا رأي له وكأنه غير معني سوى بالنتائج ومن الزاوية التي تهم مصالحهم باشرة.

وعلى هذا ولاهمية الموضوع والحدث في آن معا تقتضي الحاجة العلمية الى طرح بعض الوقائع بعيدا عن سياقات الجدال العابر لتسهيل تبيان الحقيقة من تلك المواقف والتعرف على أصل الموضوع. وبصددها يمكن التركيز على أولى الحقائق ذات الصلة بفعل الاحتلال والسقوط وهي أن النظام السابق قد بلغ أعلى مستويات الاضطهاد والاستهانة بمكانة العراق وانسانه والعالم الى مستوى ارتكاب أخطاء تعد كارثية في علاقاته الداخلية مع الانسان العراقي ومع العرب وبعض دول العالم، وارتكب الافضع منها في دخوله حروب مدمرة مازالت آثاره اقائمة حتى وقتنا الراهن وستبقى كذلك الى عشرات السنين، ونظام من هذا النوع يثير العالم بالضد من وجوده ويدفع الى حشد الجهد لازالته طرفا لاثارة التوتر والاضطراب.والحقيقة الاخرى أن العالم قد أتجه بعد أنقضاء حقبة الحرب الباردة الى سياسة القطب الواحد،سياسة تستدعي أن توقت الدول بعض خطواتها الاستراتيجية مع سادة القطب الواحد لتكون منسجمة مع قوة الدفع الحاصلة باتجاه التهدءة والاستقرار لما ينفع قوى الاقتصاد العالمي التي تتحكم بمفردات السياسة في القطب الواحد، وبسبب الجهل واضطراب العقل الحاكم آنذاك بقيّ العراق يغرد خارج السرب الواحد، بل ومعاكسا لتوجهاته، وأرتكب عدة أخطاء في هذ الاتجاه بينها احتلال الكويت، على الرغم من أن البعض من الفقهاء في السياسة يقول ان الاحتلال hلخاص بالكويت كان مطلوبا مع التحول الجاري لغرض التدخل والتواجد المباشر في المنطقة الغنية المضطربة تماشيا مع ارساء قواعد القوة التي تقتضيها سياسة القطب الواحد، ومع هذاواي كان التفسير الذي فيه قدر من الواقعية فقد كان احتلال الكوت خطئا استراتيجيا أخل حتى باتفاقات النفوذ الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، دفع المتنفذين الى معاقبته، الامر الذي يعني أن الحرب عليه وتدميره واسقاط نظام حكمه المثير عقاب دولي نافذ الحصول.اما الحقيقة الثالثة هو أن الحكم لخمسن وثلاثين سنة بذات الوجوه والاساليب والعلاقات أصبح باهتا ومملا ومكروها من قبل الشعب، خاصة في السني الاخيرة التي بات فيها الانسان العراقي يعيش تحت ضغوط شديدة دفعته الى تمني الحرب وقبول الاحتلال سبيلا للتخلص منهذه الضغوط التي تجثوا على الصدور.

حقائق وأخرى غيرها الكثير تؤشر أن الحرب عام 2003 واقعة والاحتلال شبه محتوم، ولاتوجد قوة في الكرة الارضية كانت قادرة للحيلولة دون حصولهما، وما أشيع من أن:

1. البعض من المعارضين العراقيين كانوا قد دفعوا الامريكان لخوضها ما هو الا برقع لتغطية التوجه والمساعي الجارية للتنفيذ.

2. السياسيون العراقيون الجدد قد قدموا على ظهور دبابات الاحتلال، ما هو الا تجني على الواقع اذ أن الامريكان خاضوا الحرب بطريقتهم الخاصة وبقدراتهم الذاتية مع دعم دولي تقتضيه العولمة في تعاملها مع الاحداث الجسام أما دور الساسة المعارضين فكان في الغالب استثمار هذا الواقع في الوصول الى ادارة الدولة وملئ الفراغ الذي لا يمكن أن يملئ الا عن طريقهم، اذ ومن غير المعقول املاءه من سياسيين ينتمون الى نفس النظام الساقط، كما ان الاحتلال في سنيه الاولى أرسى قواعد عمل وضوابط علاقات لم يكن للسياسيين الجدد تأثير في الحيلولة دون تطبيقها.

تتعلق بالجدال الدار وبمعطيات تبرير الاحتلال أو تجريمه، لانه أمر حاصل كما ورد، الا أن المشكلة في اسلوب ادارة البلاد وكيفية التخلص من الآثار الجانبية للاحتلال، وسبل العمل بما يقلل من اثر التناحر الذي حصل ما بعد الاحتلال، وهي معاضل أنهكت العراق ودفعته الىحافات الهاوية أكثر من مرة، وسوف تبقى هكذا الى الوقت الذي يتخلص فيه العراقيون جميعا من آثار التوتر والكره والاحتقان والنفرة الطائفية التي علقت في العقول عشرات السنين،ويلتفتوا الى بناء وطن يعيشون وسطه بقوة وأعتزاز تفوق دوافع الفرقة والانتماءات الجانبية.وأخيرا يمكن القول: لو أن العراق وساسته وشعبه قد تصرفوا مثل الالمان واليابان بعد الاحتلال الذي حصل لارضهم بعد الحرب العالمية الثانية، ولو أن الامريكان تصرفوا مع العراقيين مثلما تصرفوا مع الالمان واليابانيين، لما حصل هذا الاضطراب والتخلف والفوضى التي تجر البلاد الى الخلف وسط مجهول لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

ومع هذا فلابد من أخذ التغيير مأخذ الجد والنظر اليه نظرة واقعية تعتمد أو تتأسس على حقيقة الحصول المحتوم وعلى كيفية التعامل مع هذا الحصول والنظر الى العراق بلدا واحدا للجميع،عندها سوف لن تَنفذُ من بين جدرانه آفات التدخل ونوايا الحرف عن الصواب وان كانت آتية من السيد الاكبر للقطب الواحد أو من حلفاءه الرئيسيين في المنطقة.

د. سعد لعبيدي

5/4/2014