أربع واربعون عاما مضت على الثلاثين من تموز، انتهت فيها حقبة زمنية، وبدأت أخرى، فتحت ابواب العراق واسعة على أحداث وكوارث، اوصلته الى حافات التدمير، نأخذ من مجالاتها العديدة، مثال واحد يتعلق بالوطنية، التي يتذكر في موضوعها العراقيون في ستينات القرن الماضي، كيف كانت مشاعرهم في مجالها راسخة في النفوس، وكيف كان الاعتزاز بالعراق وطنا راسخ في المعقول. تبدل تدريجيا بعد الثلاثين من تموز، حتى اصبح العراقي بعد ثلاث عقود ونصف من تاريخها، يشعر بالنقيض من مشاعره السابقة، يخجل من عراقيته. يحاول ان يخفيها عند السير في اي بلد اجنبي. يذمها مع نفسه احيانا، ومع الغير احيانا اخرى. فتشوهت صورة الوطن داخل نفس المواطن، تشوها جاء سريعا بسبب تعامل الحكومة معه، تعامل مسخ مبتذل، وتعامل اجهزتها الامنية معه تعامل وأد لانسانيته. أرهق جهازه العصبي، واخل بالعناصر المكونة لوطنيته العراقية، حتى أصبحت الوطنية لعموم ذلك الزمن وحتى وقتنا الراهن، على قدر من الفوضى واللاعقلانية، واصبح انسانها مسلوب القدرة على التفكير العقلاني في أمور حيوية، كأنه جسم بيولوجي يتخبط في المحيط غير المضمون. يفتش عن حاجات تبقيه على قيد الحياة. يحاول إشباعها بلا انقطاع. تسيطر عليه النوازع والأهواء الشخصية، والانتماءات المبعثرة للقومية والطائفة والعشيرة، لا يلتفت الى المحيط الوطن وهو ينزف دما. عندها اضطرب الشعور، وباتت الوطنية صفة يحاول البعض الابتعاد عنها بعدما كان يتفاخر بها. وأكثر من ذلك، اندفع البعض الأخر يتهرب منها مهاجراً أو لاجئاً أو باحثاً عن جواز سفر لدولة أخرى أو واقفاً على الطريق، لا يتجرأ البوح بعراقيته الأصيلة.
لقد استمرت الحالة تدحرجا نحو التردي من ذلك التاريخ الذي غير وجه العراق، وشوه الصورة لتكون في نهايات حكمه اكثر عتمة، عندما توجه البعض لمعاداة وطنهم، والسعي الى تدميره رمزاً لوجود، اعتقدوا بسبب ضغوط الحكم، وإجراءاته التعسفية آنذاك، انه وهمُ أو مشاعر ارتبط وجودها بالحاكم، فردا وحزبا، وعندما سنحت الفرصة لضربه في آخر حرب له، جاءت الضربات، مرتدة لذواتهم، مخربة لبنية وطنهم، يتمثل بعضها، بعدم المحافظة على أملاك الدولة والمال العام، والسعي لإتلافه وتبذيره وتحليل الاستحواذ عليه، والتقصير المتعمد في تأدية الواجبات، وشيوع اعمال التجاوز والرشا والتزوير، وكأن الساعين الى الضرب يتعاملون مع وطن ليس وطنهم. وكأن نتاج فعلهم هدمٌ للمعايير الوطنية، وتخريب لبنية المجتمع الوطني، وخرق لمصالح الوطن العليا. بسببها وعوامل اخرى فقد المجتمع استقراره، واصبح التطابق بين مصالح الوطن وأفراده في أدنى مستوى، واستبدلت مشاعر التوحد، بالتفكك إلى جماعات صغيرة، تغلب على توجهاتها المصالح الذاتية، ويحكم سلوكها التعصب والأنانية وتغيب عنها الروح الوطنية.... صورة مشوهة، أثرت على جوانب أخرى من الفاعلية المطلوبة لتكوين الإرادة الوطنية، التي تعني الإصرار والسعي والفعل البنائي، مجالات في عقل العراقيين تقلصت بشكل كبير، وبتقلصها أصبح الشعور بالوطنية وان وجد بمستوى معين، كان مقداره ليس ذي جدوى لتحويل الشعور إلى فعل لصالح الوطن أو الحيلولة دون القيام بفعل ضد مصالحه أيضا، في ظروف صعبة مثل الظروف التي أعقبت السقوط. وليس ذي جدوى ايضا لانعاش الإدراك الذي تعطل هو الآخر أو ضعف على مستوى الفهم المقبول لما يحصل من وقائع وأخطار واتجاهات،
ونوايا مبيتة، وغايات مبطنة، وارتباطات أجنبية واضحة، واعمال اغتيال، وتناحر، وتعصب طائفي، لم يع غالبية العوام مخاطرها الآنية والمستقبلية، وكأن العقل المنتج لوقائعها والذي يعيش فترتها الزمنية، قد تعطل أو تكاسل، فلم يعد يدرك ماهيتها. لقد تعطل الادراك وضعفت الارادة، فانخفضت مستويات الشعور بالمواطنة بحدود تسببت في حصول نوع من الانفصال الاجتماعي عن الوطن العراقي لدى نسبة ليست قليلة من الناس الباقين على قيد الحياة. ولتعويضه عقليا، ولتجنب آثاره المؤلمة، وضعوا الفرد لحاكم بديلا عن رمزية الوطن، وعندما فشل ذلك الحاكم في أن يكون كذلك، تقلص الإحساس بالوطن كحضن آمن، وهربت كثير من موجودات الوعي إلى اللاوعي، حتى أصبح أي الوعي، بالنسبة الى الكثير من العراقيين طوال الزمن السابق، مجرد علبة محقونة بصور غير متجانسة، في معظمها بقايا ذكريات للخوف، والهلع كرموز للخطر والتهديد. ومع هذا فان أحكام من هذا النوع لا يمكن ان تكون مطلقة من الناحية المنطقية، إذ أن البعض من العراقيين أدركوا الخطر مبكرا، ولم ينفصلوا عن الوطن، ولم يختل وعيهم، رغم إجراءات الحكم التعسفية ، لكن واقع حالهم يشير إلى أن قسما منهم دفع حياته ثمنا لهذا الإدراك، والقسم الآخر غادر العراق في غربة طويلة كانت هي الأخرى ثمنا له. وبمجموعهم كانوا عاجزين عن لملمة المشاعر الوطنية.
ان الصور المحقونة في اللاوعي طوال عقود، تفاعلت مع ما مكبوت من مشاعر وانفعالات مؤلمة لعدة عقود، فتحولت إلى عناصر اضطهاد وإحساس بالاغتراب، صعب على البعض مواجهتها أو وضع حواجز لها أو موانع تحول دون قيامهم بما يخل بوطنيتهم.. اغتراب ترك بصماته على سلوك العراقيين بشكل قدري، فطبع الوعي بطابع السوداوية، ودفع البعض إلى أن يُسّخر كل حركة يقوم بها أو سلوك يؤديه في سبيل تعويض هذا النقص، دون ان يعي أن نتائج هذه المحاولات لا تجدي نفعاً للتعويض، ودون ان يدرك أنها ستبقى عملاً لا إرادياً تكمن أهميته في أداءه حركة أكثر مما تنفع في اتجاهاته لتحقيق الأهداف.
اغتراب وطني، دفع من ناحية أخرى إلى الشعور برغبة في التشكي، يعود بعضها إلى وطن غاب، ميؤوس من احتمال عودته قريباً، حتى ابتعد البعض عن الوطن بمشاعره، محاولاً استبداله بالطائفة والكتلة او الحزب....استبدال ببديل ضائع هو الآخر. ويعود بعضها الآخر الى حضن آمن مؤسسات الدولة التي ضعفت الى المستوى الذي لا يمكنها لعب دور الحضن الدافئ لعموم العراقيين. حتى غاب بسببها التآزر والتعاون والتكافل والتضحية كعناصر وطنية.... غياب بات مصدر قلق وتأزم وارتباك وفوضى وحزن شبه مستمرة لغالبية العراقيين.
من هذا الوضع، يمكن تفسير السلوك الشائع في المجتمع الواسع بالتنحي جانبا، لما يتعلق بمصائب الوطن اني شَعْليّةَ وعدم الرضا عن الحاكم اي كان، وسهولة توجيه الاتهام الذي يجرح الذات الوطنية العراقية أو يرغب في تدميرها أحيانا، عندما تصل الحالة إلى اتهامها بالعجز والقصور وترديد عبارات اليأس مثل نحن لا نستطيع. لا نقدر. لا أمل لنا وغيرها من عبارات، ومثلها امثال شائعة، تحبط السامع، وتسحبه كثيرا الى الوراء، خاصة عند مصاحبتها تمجيد عال للذات المنكوبة بطريقة تدفع السامع الى الرغبة بالانعزال، وربما اللجوء الى البكاء على مجد لم يستطع المحافظة عليه كالآخرين من العرب والمسلمين وغيرهم.
ان هذا النوع من الاغتراب الوطني، اضطراب ضاغط على العقل العراقي المتعب، جعل الأمزجة مشبعة بالتشاؤم وعدم تحمل المسؤولية والتباطؤ ولوم الضمير، وجعل الاحباط شعور منتج للعدوان الموجه الى الذات، فزاد من بؤس العيش وكآبته المؤلمة. وجعل الحل الوحيد في مجاله، وقبل أن يعود انسان هذا الوادي الى فعل الضرب من جديد لتخريب ما تبقى من الوطن، ان تعود الدولة حضن آمن، ويعود السياسيون جميعهم الى محيط العراق.... كيف؟ هو الاهم في هذا الموضوع!.
د. سعد العبيدي
28/7/2012