عــــام

من السمات الرئيسية لحزب البعث العرب يالاشتراكي، ديمومة السعي للوصول الى السلطة،بأية وسيلة بينها الاستخدام المفرط للقوة،وبصددها تؤشر الاحداث التي مرت على العراق منذ العام 1963 حتى 2003، ان قادته لايقتنعون بغير الحكم سبيلا لتحقيق الاهداف، التي وضعوها منتصف اربعينات القرن الماضي لوحدة الامة العربية واشتراكيتها، حتى انهم وان ادركواالفشل الحاصل، بتجربتهم الاولى للحكم عام1963 على سبيل المثال، واعترفوا بحصوله،واستوعبوا الانشقاقات التي حصلت في أواخر حكمهم ذلك العام، فقد اعادوا لملمة الشتات جناحين يمتد الاول الى ميشيل عفلق، ويتصلالثاني بسوريا حافظ الاسد. سارا كلاهما باتجاه عمل انقلاب على حكم اللواء عبد الرحمن عارف،"17 نيسان 1966 – 17 تموز 1968". الذيورثه عن اخيه عبد السلام .

ومن سماته او من سمات أعضاءه، عسكر ومدنيين، عدم الاقتناع باية نتيجة في عوائد السياسة، لا تأتي عن طريقهم. هدفهم ان يكونوا اعلى السلطة، يوهمون ذواتهم ومؤيديهم انها الطريقة الوحيدة لتحقيق اهداف الامة.

وفي الجهة المقابلة لهم في تلك الحقبة الزمنية،كانت سمات حكم الرئيس عبد الرحمن، الضعف،الى مستوى تجاوزه التقارير والتحاليل الاستخبارية في التعامل مع المتربصين له،والساعين الى الانقلاب عليه بينهم البعثيين،واللجوء بدلا عن التحقيق بصحتها، الى طلب القَسَمْ بالقرآن الكريم سبيلا لتبيان الحقيقة. فكانت سمات خاصة، وضعف قيادي، وظروف سياسية ساذجة، ومواقف دولية مناسبة، وخيانة وطنية
أخلاقية، وضعت جميعها البعثيين على سكة الانقلاب.

التحرك البعثي لتنفيذ الانقلاب

كان جناح البعث لميشيل عفلق هو الاقوى في ساحة التآمر والانقلاب، وكانت الساحة الداخلية ملائمة، حيث الاقرار بضرورة التغيير، من قبل القادة المعنيين بحماية الرئيس، تلافيا لاحتمالات ضياع المكاسب المتحققة، وكان الجناح البعثي اليساري، الممتد الى حافظ الاسد لا يقوى على السير في طريق الانقلاب، لعدم امتلاكه رموز عسكرية قيادية يعتد بها. ولا قاعدة ضباط أعوان،وضباط صف، يمكن التأسيس على وجودها في التخطيط والتنفيذ، لعمل مضمون باقل ما يمكن من الخسائر. وكان الشيوعيون يأنون من جراح الابادة لتنظيمهم العسكري والمدني بعد مجازر1963، ومع انينهم هذا اشهر الغرب كارتا أحمر الا يسمح بتحركهم لعمل انقلاب باي حال من الاحوال. وكان القوميون واهنون، بعد تكرار عدةمحاولات فاشلة للقيام بفعل الانقلاب، وهم مثل الشيوعيين يعانون من الانحياز الدولي في غير صالح تقربهم من الحكم في العراق. اما الاسلاميين فان دورهم لم يحن بعد لادارة حكم في المنطقة، وقواعدهم الحزبية المنظمة في الجيش تكاد ان تكون معدومة.

من هذه الساحة الملائمة تحرك البعثيون، الاقوى تنظيما، والاكثر قبولا في الساحة الدولية، فوجدوا في تحركهم جهة أخرى تتحرك بنفس الاتجاه هيكتلة اللواء الركن ابراهيم عبد الرحمن الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري، والمقدم الركن عبدا لرزاق النايف وكيل مدير الاستخبارت العسكرية،الكتلة الاقدر على كتمان التحرك، وضمان نجاح التنفيذ، لان شخوصها الكبار، معنيين بامن وحماية الدولة ونظامها، مقربين من الرئيس"عشائريا ومناطقيا"، فتحالفوا معهم طرفين، مَثلَ

البعث على المستوى القيادي العسكري الاعلىفيه، كل من البكر وعماش، والطرف المقابل لهم"المستقل" بالاضافة الى الضابطين المذكورين،أي الداوود والنايف، كل من العميد حماد شهاب آمر اللواء المدرع العاشر، والمقدم سعدون غيدان آمر كتيبة دبابات الحرس الجمهوري، وان انتظمافي صفوف الحزب لاحقا.

لقد تم الاتفاق بين الطرفين، ونفذا الخطة، التينجحت في قلب نظام الحكم صبيحة 17 تموز1968، ودارت حولها الكثير من الاقاويل، التيلم يصل المؤرخين والباحثين الى صحتها، فابقوه اعائمة يتم تداولها تبعا، للقرب والبعد من أطرافها،وتبعا لاستعراضات القوة في مجالها، فكانت القادمة من غير البعثيين، تبين أن الضابطين المذكورين المقربين من عبد الرحمن "الداوود والنايف"، وبعد فترة قليلة من حكمه أخذوا،يتكلمون في مجالسهم الخاصة عن الضعف الملموس للرئيس، وعن خشيتهما حصول انقلاب من قبل الناصريين او الشيوعيين او غيرهم، ممادفعهم الى التخطيط لاستباق الانقلاب المحتمل بانقلاب فعلي. ولافتقارهما الى البعد السياسي ادخلوا البعثيين على الخط، وتحالفوا معهم لتحقيق الغاية.

وكانت الرواية البعثية التي وردت بتعميمات رسمية للحزب، بعد الانقلاب على الداوود والنايف في 30 تموز 1968 مباشرة، على العكس من الرواية أعلاه، مؤكدة على انهم من قام بالتخطيط للانقلاب، وانهم من بادر بالاتصال بالداود عن طريق شقيقه البعثي لتأمين النجاح،وانهم عندما كانوا في احد الاجتماعات الخاصة بالتخطيط للانقلاب، فاجئهم النايف بالدخول الىالمكان، وساومهم على قبوله طرفا رئيسيا اوافشاء سرهم، متهمين الدواد باخباره بالمخطط.انها روايات متناقضة، تدحضها رواية ثالثة،تتأسس على وجود عراب لتحالف مصلحي حتمي
بين الطرفين المذكورين الساعيين فعلا لعمل انقلاب، لا يمكن لاي منهما ضمان نجاحه فيحال تنفيذه على انفراد، والعراب هو اللواء الطيار الركن حردان عبد الغفار، الذي كلفه البعثيون بالاتصال بالطرف المقابل، الذي يرصدون نواياه،وكان التكليف قد جاء على المعرفة التامة بقدرةحردان العالية على التأثير، وخبرته الواسعة في عمل الانقلابات، وقد نجح في مهمته بتقريبوجهات النظر وعقد صفقة بينهما، عد بسببه الولب الانقلاب الفعلي ومهندسه الحقيقي، لولاه لمنجح الفعل المطلوب، ولتبعثر أو انكشف الجهد قبل التنفيذ.
ان الروايات الثلاثة متناقضة، وتحتاج الى سند لدعم صحتها، بقي

وسيبقى مفقودا في ظروف وشخصيات لم تخرج من عباءة الذاتية،حتى في التعامل مع وقائع التاريخ. وان كانت الرواية الاخيرة ذات الصلة بجهود حردان هي الاقرب للواقع، اذ ان من غير المعقول ان يجازف البعثيون، ويتصلوا بالداوود دون مقدمات مسبقة، وهو المعني بحماية النظام، ومن غير المعقول أن يفاجئ النايف المجتمعين البعثيين ويساومهم في اجتماعهم على المشاركة، وتحديد المنصب الذي يريده، وهو مديرا للاستخبارت وكالة ومحسوب على عبد الرحمن. كما ان نهاية حردان بالاغتيال، ونهاية النايف بنفس الطريقة، ونفي الداوود ترجح صحة هذه الرواية، وترجح ان كليهما قد فضل التعاون مع غريم له على وفق صفقة لتقاسم المناصب،وابقاء المستقبل مفتوحا للتحرك على وفق حركة الطرف المقابل،وهذا استنتاج تؤكد صحته، احداث الثلاثة عشر يوما التي اعقبت الانقلاب، وقول البكر في نهايتها أنه قد اصيب خلالها بالسكري منفرط التفكير بالطرف المقابل، قول أكده وزير الصحة علوش، منان البكر فعلا قد اصيب بالسكري خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة.لقد تأسست الخطة على قيام المقدم سعدون غيدان،بفتح الباب الرئيسية للقصر الجمهوري، صبيحةاليوم المتفق عليه "17 تموز"، باعتباره آمر الكتيبة المعنية بحراسة المداخل، ومن ثم تسهيل تسلل بعثيين عسكرين ومدنيين، يستقلون سيارات حمل عسكرية، يحملون رتب ضباط، لاحتلال القصر، وقد تم لهم هذا، واطلقوا حال دخولهم

باحته، اطلاقة من مدفع دبابة، كتحذير للرئيس،الذي سلم على الفور، وسُفر بنفس اليوم الى تركيا، ليعيش هناك منعزلا فترة طويلة، عادبعدها الى العراق راضيا بوضعه كمتقاعد معزول.

لقد نجحت الخطة، وتشكل مجلس قيادة الثورة منستة عسكريين هم اللواء احمد حسن البكر، اللواء الطيار الركن حردان عبد الغفار، الفريق الركن صالح مهدي عماش، والعقيد الركن عبد الرحمن الداوود، والعقيد حماد شهاب، والمقدم الركن عبدالرزاق النايف، والمقدم سعدون غيدان. وتشكلت وزارة من 25 وزيرا فيها عشرة وزراء بعثيين،راسها النايف، واستوزر لدفاعها الداوود،ولداخليتها عماش، ورئيس اركانها حردان. معادلة في توزيع المناصب تتفوق بها كتلة الداوود النايف عدديا، في ميزان يتفوق فيه البعثيون بالخبرة،وفن ادارة الازمات، وتنظيم الانفعال والحشد الجماهيري، والتطرف الثوري، لم يرض عن طبيعتها البعثيون، الذين لم يطمئنوا للطرف المقابل، فتحركوا سريعا للانقلاب على جناحالداوود، وقضوا عليه بحركة سريعة في 30تموز، بسينارو بسيط، يتأسس على قيام الرئيس البكر بايفاد وزير دفاعه الداوود، الى الاردن لمعاينة القوات العراقية المنفتحة لاغراض الدفاع على الارض الاردنية، وفور وصوله استدعى أيالرئيس، عبد الرزاق النايف، كرئيس وزراء للتشاور وتناول الغداء، فانقض عليه صداموجماعته في المكتب، وهددوه بالموت او السفر الى الخارج على الفور، وبنفس التوقيت قصدضباط بعثيون من الوحدات الموجودة في الاردن الداوود، وعرضوا عليه نفس العرض مع تعيينه كسفير، وانهوا حقبتهم بالسيطرة التامة، على باقيمنافذ السلطة، وعزل كل المؤيدين واعادة تشكيل الحكومة وقيادة القوات المسلحة، لتكونان من البعثيين حصرا. وبصدد اعتقاله قيل ان قائد
القوات العراقية المنفتحة في الاردن اللواء الركنحسن مصطفى النقيب، قد امتنع عن تنفيذ أمر الاعتقال الذي استلمه هاتفيا من رئاسة الجمهورية، وبدلا منه جاء اليه في مقر اقامته وهمس في اذنه بضرورة العودة الى بغدادبالطائرة تجنبا، لعمل قد لا يرضاه، علما ان النقيب، قد انشق عن الحكومة بعد حوالي ثلاث سنوات من هذا التاريخ وعمل معارضا فاعلا بالضد منها حتى انتهائها عام 2003.

لقد امتد تأثير الانقلاب 35 عاما كانت مليئةبالاحداث ومحاولات التآمر والانقلابات، كان اشهرها واكثرها تأثيرا على العراق بشكل عام وعلى القوات المسلحة بشكل خاص، هو انقلاب صدام حسين على البكر عام 1979، على وفق سيناريو مرتب لتنازل البكر الى صدام بدعوى المرض، ومنح نفسه رتبة مهيب ركن، واعاد تشكيل القيادة العامة للقوات المسلحة، من مكتب تنسيقي الى تشكيل قيادي تنفيذي، دخل بها حروب خرج منها خاسرا، بمستوى حطم اعمدة القوات المسلحة باضطرابات في مجالات الضبط والمعنويات والاداء والمهنية، لم تشف منها حتى آخر معركة مع التحالف الدولي انهتها تماما.