يحكى أن


يحكى أن موظفا مرموقا في دولة عربية حاولت أن تلحق بالركب التقدمي من خلال التطوير المقنن في مجال التعليم بعدما أحست تخلفا عنه بسنين ليست قليلة، ويحكى أن ذلك الموظف قد منح صلاحيات الموافقة على التعاقد مع الأساتذة والمدرسين الوافدين من عدة بلدان تركوها بقصد التخلص من بطش حكامهم أو لتحسين مستويات عيشهم مقابل منح المؤسسات التربوية لتلك الدولة الخبرة العلمية المطلوبة. ويحكى أن السياق التقليدي لتمشية المعاملات فيها يتأسس على ختمها بختم المعني بالأمر"الموظف المختص" وعلى هذا الأساس لا يباشر أستاذ في جامعاتها أو مدرس في مدارسها، إلا بعد أن يختم ختمه واضحا على الأمر المطلوب، كذلك لا يستلم أي منهم رواتبه في نهاية السنة إلا بعد أن يختم ختمه المعهود، وصادف في أحد السنين التي تعاقدت فيها تلك الدولة مع آلاف الأساتذة والمدرسين أن كُسرتْ اليد اليمنى لذاك الموظف المسئول فأخذ إجازة مرضية لثلاثة أشهر متتالية لم يستطع فيها متعاقد أن يباشر بوظيفته لأن الختم كان موجودا معه في البيت ولا يمكن أن يسلمه لأحد في مكتبه، ولم تفكر الدائرة أن تنسب بديلا عنه يمتلك ختما من نوع جديد لأن الطلب الرسمي للحصول على ختم يحتاج إلى موافقة عدة جهات أمنية وكثير من الوقت، وهكذا بقي الرجل في بيته لثلاثة شهور وبقي العمل معطلا، وشعر في حينها الكثير من المتعاقدين بالندم على خطوة خطوها مرغمين إلى عالم جديد شبه مجهول، وبسببها عاد البعض منهم إلى وطنه غير آبهين لما أصابهم وما سيصيبهم في المستقبل القريب، وفي عودتهم شكا البعض أمره للبعض الآخر وقبل أن يصلوا آخر محطة في طريقهم الطويل اتفقوا أن هذا السلوك لا يؤشر تخلفا في معالم الإدارة فقط وإنما سلوكا يعبر عن الخوف وعدم تحمل المسؤولية، ويؤشر كذلك شرخا كبيرا في معايير الوطنية وعدم تقدير مصالحها العليا، وإنه سلوك لا يمكن أن يغيره الوافدين وإن أعطوا من علمهم الكثير إذا لم يشمر أهل البلد عن سواعدهم ويضعوا من جديد معايير للوطنية وقيما للوظيفة بعيدا عن الخوف واللا مسئولية.

ويحكى أن واحدا من أولئك الذين عانوا من ختم الموظف المسئول في تلك الدولة العربية، قد عاد إلى وطنه العراق أخيرا وقدم مثل الكثيرين طلبا للعودة إلى وظيفته في التدريس التي تركها لأسباب سياسية، ووافقت له وزارة التربية مع كثير من الزملاء، وفي مراجعته إلى مديرية تربية الرصافة قبل منصف الشهر الحالي لاستلام كتاب الموافقة والتنسيب من أجل المباشرة وجد جمع أمام غرفة المدير العام يطلبون هم أيضا نفس الطلب وبقوا كذلك حتى نهاية الدوام الرسمي فقيل لهم أنه أي المدير العام غير موجود ، وتكرر الحال في اليوم الثاني والثالث حتى أكد وبعد الإلحاح أحد موظفي المديرية أن المدير العام في سفر خارج العراق ولم يخول أحد من بعده ليوقع الأوامر وكذلك لم تفعل الجهة العليا في تنسيب من يقوم بالمهمة فبقيت أعماله والأوامر والكتب الرسمية المطلوب توقيعها من قبله في انتظار عودته الميمونة من سفر أصبح هدفا لجميع موظفي الدولة العراقية، بعدها وقف ذلك التدريسي العريق جانبا في ممر المديرية ومن حوله آخرين من الزملاء، تذكر تلك الدولة وأساليب الإدارة فيها وبدأ يقص عليهم قصة الموظف صاحب الأختام، مع حسرة على ما أصاب الإدارة العراقية من فوضى اللا مسئولية، وتخوف من العودة إلى الوراء مئات السنين بسبب هيمنة الكثير ممن يحملون الرغبة غير الواعية بالوقوف على التل أو الساعين إلى فرض التخلف والتعويق في عراق طالما تغنى الأهل والأغراب بحضارته التي تمتد آلاف السنين.    

د. سعد العبيدي                                                                   20/12/2004