يرى العراقي وهو مار بدوائر الدولة العديد من أنواع السلوك السلبي التي تنافي معايير العمل وأصول الخدمة المدنية، فالموظف الجالس خلف الطاولة مزهو بوظيفته يدقق في المعاملة لاليتأكد من اكمال اوراقها ومدى مطابقتها مع الأصول والقوانين السارية، بل يفتش عن خللفيها، ليعيق تمشيتها أو يؤجل البت بها، يتوقف عند أول تشخيص للخلل أو النقص، يعيدها الى صاحبها أو يركنها جانبا لحين التصحيح أو جلب النقص، ثم يكمل التدقيق وقد يشخص آخر وهكذا يستمر التدقيق في دوامة قد تطول أسابيع واحيانا أشهر، دون أن يكلف نفسه بالتدقيق الاجمالي لمرة واحدة، ويطلب النواقص مرة واحدة. واذا ما تجرأ المراجع وأكد وجود أيضاحأو كتاب يعالج الخلل في معاملته فسوف لن يتلقى الرد الايجابي، وأقل ما يسمعه (عليك أنتأتي في اليوم التالي) وهناك عديد من الموظفين اذا ما أكتشف أحدهم وجه قصور في المعاملة ينشرح صدره، تنفتح أساريره، كأنه أكتشف كنزا، أو كأنه ينتظر مع نفسه هذا الخلل ليتوقف عن العمل فيها، بطريقة أشتهاء الخلل.
ان قسما من الموظفين أو أغلبهم في الوقت الراهن مصابون بداء الاعياء الذي يجعل الواحد منهم غير قادر على التفكير بما موجود في صلب المعاملة واقل ما تتلقاه من هكذا موظفين هو ابقاء المعاملة والعودة لها في الغد عندما يكون قليل من مزاجه رائق والا فالاسبوع القادم هو الاحتمال الاكثر تكرارا في مثل هكذا مراجعات.
هذا واقع حال في العديد من دوائر الدولة الخدمية وحتى المالية والفنية، لكن هيئة التقاعد فيها أختلاف ملموس حقا، فاسلوب موظفيها أكثر من جيد بمقاسات العراق الحالي، وكأنهم تعودوا العمل مع كبار السن من المتقاعدين فنراهم ينادون المُراجع بالاستاذ أو العم، ويطلبون منه الجلوس في أمكنة أعدت لهذا الغرض وان كان بعضها مكسور، ونجد أمام كل موظف عديدمن المعاملات، يستلم الجديد، يقترح الجلوس والانتظار، يتابع الموجود حتى يصل المعاملة الجديدة، ينادي بالاسم، يدقق بسرعة رغم كثرة الارقام والسنيين وتعدد الاوامر والاجازات المدرجة في صلب الاضبارة الخاصة بالتقاعد، من بعده يعطي رأيا مقبولا من النواحي الادارية والمالية.
انه شيء مفرح عندما يمر الواحد في ممرات شعب وأقسام هيئة التقاعد ويرى المئات يسير ونفي كل الاتجاهات، يدخلون ويخرجون، وغالبيتهم يحصلون على الاجابات المطلوبة وينجزون معاملاتهم بأوقات تعد معقولة، ويتلقون ردود فيها قدر من المجاملة يعد جيدا بالمقارنة مع باقي دوائر الدولة ومؤسساتها.
ان المتقاعدين وعلى امتداد أعمارهم المتقدمة ومديات الارهاق لأجهزتهم العصبية، وتعبهم من الحياة تكون أمزجتهم في المعتاد قريبة من حدود الانفعال، وتكون اتجاهاتهم في المعتاد مغلفة بالاعتقاد من أنهم على حق طوال الوقت وأنهم الأبدى من غيرهم في رد الجميل على خدمتهم الدولة عشرات السنين، ومع هذا الوضع النفسي الانفعالي نجد أن غالبيتهم يخرج وقد حصل
على رد مقنع، وقد استلمت معاملته وأخذت تسلسلا في سياق الانجاز الذي لا يتأخر بالمقارنة مع معاملات دوائر الدولة الاخرى.
انها كلمة حق لا بد أن تقال في أيام الخدر والاعياء هذه، ولابد من الاعتراف أن الماشي بين جموع المراجعين قد يسمع من يتذمر بعد فشله في تجاوز الدور أو بعد عجزه عن فرض رأيه غير الاصولي، ومع هذا فعدد المتذمرين والمحتجين لا يقارن بالراضين ولا بكم الانجاز فيهذه الدائرة الضخمة وسط الروتين الوظيفي القاهر.
كلمة حق لابد أن تقال ومعها تحية تقدير لاولئك الموظفين ومدرائهم الجالسين خلف طاولاتهم القديمة وغرفهم القديمة وأضابير يتعاملون معها باتت هي الأخرى قديمة في عالم التقنيةوالحاسوب الحديثة.
31/3/2014