نفقات الحاشية بين زمني الديكتاتورية والديمقراطية


يعتلي العرش ملوك ورؤساء، ويتربع على كرسيه الساحر سلاطين وأمراء، يلتف من حولهم في كل الأزمنة حاشية بعضهم أنتهازيون وسفهاء.

تمر الأيام وتدور السنون، وَيُتهمُ الملوك والأمراء وكثير من الرؤساء أنهم أذنبوا بحق شعوبهم والبؤساء، ويظهر من بعدهم مسؤولين ورؤساء وباحثين أمناء يؤكدون أن الذنب أو الخطأ يتعلق بمن أحاطهم من حاشية كمستشارين وفقهاء.

تستمر الحال منذ النشأة الأولى للسلطة والدولة، ويقع في الخطأ من ترأس وأئتمر وأنتقد من كان قبله من الرؤساء والأمراء حتى يصبح بعد فترة قصيرة من حكمه أسير المحيطين به ممن يعتقد أنهم علماء، فتبدأ المسيرة من الصفر، ويقع الحاكم في شباك الحاشية مدحا وتبجيلا وتمنيات بالخلود كما حصل لصدام حسين الذي أعترف وعائلته قبل أفول نجمه أن الأقارب والمحيطين من حاشيته لم يكونوا أمناء عليه وعلى نقل الحقيقة إبان حكمه الطويل فخسر حياته والخلود المعهود، وكما يحصل اليوم أو يتكرر في عراق الديمقراطية حيث الوقوع في ذات الشباك لذات الفلسفة والخطى التي يتبعها بعض أفراد الحاشية برداء آخر قوامه المدح والدعاء والتخويف والأكثار من طلب الرحمة التي تنال الأستحسان، ويتكرر المشهد من جديد، إحراجٌ للحاكم وإتهامٌ بكثر الأخطاء وأستثارة بالضد من حكمه والكتلة والحزب، تقربهم جميعا من حافة الإنهيار وفقدان الثقة المطلوبة من قومهم وباقي الأقوام، وتجنى الحاشية الثمار مكارم مجزية ورواتب عالية ومخصصات مرتفعة، تنفعهم يوم يغيبوا عن الساحة يوما من الأيام ليفسحوا المجال إلى غيرهم حاشية جديدة ورداء آخر يسحر الحاكم القادم ويوقعه في الشباك. هكذا حال الأمم المتخلفة، وهكذا حال العراق الذي أبتلي أكثر من غيره بأفراد الحاشيات الطفيليين الذين عظموّا الملك وتخلوا عنه في محنة قتله من قبل العسكريين الثوريين، ووضعوا صورة عبد الكريم قاسم في القمر وشجعوا في أن لا يكون له قبر معلوم، وصفقوا لإنسانية عبد الرحمن عارف وتآمروا عليه مع البعثيين، ومع هذا وكثير من الشواهد التي تلقي الضوء على فاعلية الحاشية في تشويه صورة الحاكم وإبعاده عن قاعدته الشعبية تبقى حالة صدام حسين وحاشيته من الأقرباء والحزبيين الصورة الأكثر وضوحا وفاعلية لما يتعلق بالهدم والتخريب إذ وبالوقت الذي صفقوا له بشدة وأوهموه بالولاء المطلق منحهم رواتب مجزية لمنتسبي رئاسة الجمهورية، وعلاوات خاصة لمكاتب المستشارين ورتب عسكرية للحمايات الخاصة والمقربين، وكانت النتيجة بقاءه وحيدا في ميدان القتال يختبئ بحفرة يلوم فيها نفسه على وقوعه في شباكهم، يحصي مكارمه لهم وتخليهم عنه يوم الحساب. وهكذا يتكرر المشهد الآن بل ويزداد عتمة فالرتب العسكرية تمنح لمن يقترب ويدعى دون وجود الملاك أو الاستحقاق، ورواتب منتسبي الرئاسات الثلاثة  ومخصصاتهم وبعض الأجهزة الأمنية أضعاف ما يتقاضاه أقرانهم من منتسبي دوائر الدولة الأخرى، والمكارم مستمرة آخرها منح موظفي رئاسة الوزراء والمكاتب المرتبطة بها مخصصات خطورة أضافة إلى رواتبهم العالية ومخصصاتهم الخاصة تبدأ من ثلاثة ملايين دينار للمستشارين والدرجات الخاصة والرتب العسكرية العليا وتنتهي بحدود المليون وربع لآخر درجة في السلم الوظيفي أي الفراشيين، الأمر الذي اثار أستغراب الجندي في نقطة السيطرة بشوارع بغداد ومقارنته شدة الخطورة بين موقعه المستهدف من قبل الإرهابيين ومكاتب موظفي الرئاسة المكيفة المحمية في المنطقة الخضراء، وكذلك الضابط الموجود في الوحدات المقاتلة للإرهاب ومقارنته بين وضعه الخطر وعيشه في ظروف التعب وأرتفاع درجة الحرارة والأبتعاد عن الأهل وبين جنود الحمايات الخاصة الذين يتنقلون غالب الوقت آمنين في محيط المنطقة الخضراء.

إن المقارنة لم تنهي عند الجندي في نقطة السيطرة والضابط في الوحدات المقاتلة، بل وتمتد إلى الضباط القادة في وزارتي الداخلية والدفاع والمدراء العامين فيهما وباقي موظفي الدولة التي تتوزع دوائرهم في محيط بغداد والمستهدفين جميعا من قبل الإرهاب وغير المحمين باسوار المنطقة الخضراء، وهي مقارنة مشروعة تزداد تاثيراتها السلبية على أداء وولاء العسكري والموظف المدني غير المشمول بمكارم الحكومة في ظروف التوتر وعدم الأستقرار، وفي هذا المجال يؤكد الغربيون الأكثر تحضرا أن تكريم شخص واحد دون وجه حق تخسر الدولة بسببه ولاء ومعنويات وحسن أداء العديد من الأشخاص. هذا وأذا ما تجاوزنا قصص التاريخ حول هذا الموضوع نجد منطقيا ان كل التكريمات التي يحصل عليها المقربون من سلطة القرار والحاشية في كل الأزمنة تأتي من مقترحات تقدم من قبلهم ثمنا لمدحهم وتقديمهم ولاء الطاعة من ناحية، ورغبة من الحاكم في مكافئتهم على ولائهم له وتقربهم إليه من ناحية ثانية، ونجد أن هذه التجاوزات أي العطاء غير المناسب خرقا للمعايير القيمية الوظيفية تستثير الغير وتربك أدائهم وأخلاصهم، فتكون الخسارة بالمحصلة أضعاف ما يمكن أن تقدمه الدولة لهم في حال مساواتهم  مع غيرهم في تقدير الخدمة والخطورة، ونجد ايضا أن تأثيراتها السلبية في هذا الزمان تفوق كثيرا تاثيراتها التي كانت إبان حكم صدام لأن القريبين من الحكم في الوقت الحاضر هم من ابناء الطائفة والكتلة والحزب الذين تترصدهم طوائف وكتل وأحزاب، وتحصي أنفاسهم وتكبر منها باتجاه العزل والتسقيط، ويمتلك المتربصون والمنتقدون المنصفون والصحفيون المتابعون وسائل نشر وأدوات إعلام تفوق ما كان موجودا في السابق، كما إن الديمقراطية تحتم المساوة في الحقوق والواجبات، وحكم الدين يقدم التضحية، وّيُكبر العطاء، ولا يجيز التفرقة بين الناس، وخرقها جميعا أو التجاوز عليها خسارة لشعبية الحاكم ولحزبه ولمستقبلهم السياسي في آن معا.

إن الموضوع في الوقت الحاضر وفي ظروف التناحر وضعف الأمن وتردي مستوى الأداء ستتعدى مخاطره المقارنة والنقد والتجريح إلى مستوى عدم المخاطرة من قبل العسكري في ساحة القتال بعد أن أدرك خلل من قبل الحكومة في تعريف معنى الخطر وتقدير المكافئة الخاصة به، وإلى التنحي جانبا من قبل عنصر الأمن المكلف بضبطه في الشارع لنفس السبب، وإلى فقدان الضابط لدافعيته في العمل والقتال، وهكذا تمتد الحالة لتؤثر سلبا على إعادة بناء القوات المسلحة الكفيلة بحماية الحكم زمن الديمقراطية...... حقائق لم يفهمها أفراد الحاشية في سعيهم إلى الكسب والتحصيل خلافا للضوابط والقانون، ولم يدرك آثارها الحكام في خضم بحثهم عن التأييد، ستضيف أعباء جديدة على الأعباء الموجودة في إدارة الدولة والمجتمع .... ما كان لها أن تكون.

 د. سعد العبيدي                                         14/8/2007