معنى المصالحة وسط التطرف والمماطلة


لو أدرك العراقيون حقا طبيعة السياسة الدولية، واستحقاقات الحروب، والتزامات الخاسر فيها، وتوجهات الرابح لجلس الجميع من زاخو حتى الفاو جلسة حوار ومصالحة وطنية وضعوا البندقية فيها جانبا وحكمّوا العقل لتقليل الخسارة إلى أقل ما يمكن من المسموح. ولو قرأ السياسيون العراقيون، ورؤساء الكتل النيابية، ورجال الدين، وشيوخ عشائر التسعينات، واللاهثون وراء الجاه والمنصب، وتجار الحروب والانتهازيون، وخطباء الجمعة المحرضون، والقراء غير الملتزمون، ومنتسبوا الجيش السابق، وأفراد الأجهزة الأمنية المنحلة ما بين  السطور وتعلموا الدرس المستخلص من ثلاث سنين قتال لقاتلوا من أجل الصلح بطريقة الحوار بعيدا عن العنف واستخدام السلاح. ولو لم تفكر الطوائف والأقوام، والكتل، والأحزاب إثر السقوط بمقدار الخسارة وكم الربح وهامش الحصة لقبل الجميع خطوات الديمقراطية، وأسقطوا من حساباتهم استخدام السلاح أداة فتاكة لتعويض خسارة موهومة لا يمكن تعويضها، وزيادة ربح مضلل لا يمكن قبوله، وعمدوا إلى المصالحة طريقة وحيدة لإيقاف مسلسل الفتك والدمار وضمان أمن الجميع. ولو ركن المشبوهون والجهلة، والموهومون إلى العقلانية يوم تفجير سامراء وقبلوا المنطق في أن سنيا لم يفجر المرقدين، وإن شيعيا لم يجرأ على التفجير، وإن كرديا لم يفكر بالموضوع، وانتظروا في سياق العقلانية نتائج التحقيق وظروف الصدفة في الكشف عن الجناة لتجنبوا كل ردود الفعل الهمجية في الانتقام وتوسيع رقعة الاقتتال وحافظوا على الأرواح البريئة، وتوجهوا بدلا عن السفك السادي للدماء إلى المصالحة وسيلة وحيدة لضمان الأمن والاستقرار. ولو لم يكن البعض من المعنيين بالسياسة والدين مرتبطين بدول ومخابرات، وجماعات في خارج العراق ينفذوا توجهاتها في بث الفرقة، والطائفية لحسابات المصالح الإستراتيجية، لما استعجل أحد توجيه الاتهام بعد كل حادث تفجير وأسهم في تكوين هذا الكم الهائل من العدوان في النفوس المتعبة، والرغبة في الانتقام، ولفكر منطقيا بالمصالحة أسلوب حضاري وشرعي لرأب الصدع وإعادة الصف الوطني والأمان. ولو حسبَ كل منا نسبة الخسائر وتناسبها والاحتمالات، وأحصي الكم الهائل من القتلى والبنادق، والسكاكين التي لم تستثن أحدا سيجد ببساطة أن كل عائلة قد قدمت ضحية من القتلة والمقتولين، وإن القتل وسيلة فناء تزحف بكل الاتجاهات، وإن القاتل غير معصوم من القتل، والجار غير بعيد من الموت، والمارة في الشارع غير آمنين، والموظفين غير محصنين، وكذلك المحرضين، وسنجد دون أدنى عناء أن المصالحة هي الفرصة الوحيدة لإنقاذ ما تبقى من الأرواح. ولو نُفذَ قانون الإرهاب الذي تطبق حاليا قوانين مثيلة له في غالبية دول العالم إلا العراق، لما كان لنا أن نجد خطيبا يحرض في صلاة الجمعة على العصيان، وسياسي يحرض في أدبيات حزبه على التمرد والعودة إلى سالف الزمان، وعالم دين يكيف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية للتحريض في الفضائيات والاجتماعات البينية على ديمومة الحرب والانتقام، وعضو برلمان يرفع صوته مثيرا للاستغراب، ولحصلنا والحكومة معا على قوة ردع كافية لإسكات المحرضين، وصم آذان السامعين، وربما تحوير نبرات صوتهم في حال عدم السكوت باتجاه المصالحة اضعف الإيمان. ولو تم النظر إلى الانتماء الطائفي وراثة لم نكن مسئولون عنها، وظاهرة اجتماعية لم يكن الأديان وراء حدوثها، وغلاف ظاهري لولاء مجتزأ إلى شخص، أو جماعة أو حاكم بديل عن الولاء المفترض إلى الدين الذي تضعف قواه بتجزئة الولاء لتركنا هذا التعنصر إلى الطائفة والقتال من أجل وجودها ومعظمنا لا يفقه كنه الاختلاف، ولصفقنا جميعا إلى التطبيقات العلمانية في إدارة العملية السياسية والاجتماعية في العراق وأسسنا مصالحة تدوم إلى آخر الزمان. ولو قرئ التاريخ جيدا، وبقراءته المتأنية تم استيعاب دروس الفتنة، وما تسببته من فرقة ومآسي حتى يومنا هذا، لما تجرأ أحد أن يكون أحد إبطالها برفضه المصالحة لمجرد الرفض الطائفي المقيت، والسياسي الشوفيني الغريب، ولفكر عقلانيا بطلب المزيد من الإيضاحات قبل الرفض، ولجلس أمام المعنيين بها وناقش جوانب النقص فيها، وأغناها بما هو مطلوب، ولأعترف ونحن معه إنها الفرصة الملائمة لإيقاف نزف الدم العراقي البريء،  وإنها الحالة التي ستتسبب إعاقتها الانحراف إلى طريق الموت والحرب الأهلية، وإنها المناسبة التي يمكن من خلالها إثبات حسن النوايا، وإحراج الاحتلال، والتكفير عن الذنوب التي ارتكبت بحق العراق والتي في مجالها يبقى السؤال شاخصا:

ألا يستحق العيش في هذا البلد العريق التضحية بمصالح الذات الخاصة من أجل مستقبل يكون نافعا لها وللآخرين ؟.        

د. سعد العبيدي            1/7/2006