في أوقات الأزمات، يمتحن المواطنون أو بالحقيقة تمتحن وطنيتهم، وبالوقت ذاته تمتحن الأحزاب التي ينتمي اليها المواطنون، أي تدقق مصداقيتها وجهودها في تجاوز الأزمة واستعداداتها للتعاطي معها من زاوية الوطن. كذلك تمتحن الحكومة، بقدراتها على الحسم والمناورة في تقنيات الانسحاب خطوات الى الوراء عند الحاجة أو التقدم خطوات الى الامام عندما تقتضي الحاجة، وامكانياتها في إظهار وجه الابوة تارة وتبيان وجه الأخ القاسي تارة أخرى. والمظاهرات التي بدأها الشباب يوم ٢٥ تشرين الأول الجاري هيأزمة أطرافها الجمهور خاصة الشباب الشاعر بالحرمان، والأحزاب السياسية التي تنظم العملية السياسية وتساهم في إدارة الدولة وتنظيم العلاقات مع الجمهور، والحكومة المعنيةبتنظيم العملية السياسية وإدارة الدولة والجمهور.

انها أطراف موجودة ضمن دائرة علاقات تصارعية تتفاعل آرائها واجراءاتها وافكارها وأساليبها في الإدارة والتنظيم، لتكوين ناتج يحقق أمن البلاد واستقراره. وهي معادلة فيأزمة التظاهر الحالي لم نلمس تفاعلها إيجابيا، إذ أن الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة وجدت نفسها محرجة فتنحت جانباً وتركت الجمهور في موقف عداء لها، فهاجمها ووضعها طرفاً مقابلاً ومن ثم أخرجها من دائرة التفاعل مؤقتاً على أقل تقدير، وظل هو في الساحة بموقف الحيرة، سالكاً عدة اتجاهات بعضها يتنافى ومصلحة الوطن، والحكومةالطرف الآخر كانت بعض مفاصلها في الاجمال بطيئة الاستجابة، مقيدة الحركة، الجمهور المتظاهر يسبقها بمراحل، على هذا أصبح التفاعل بين الأطراف الثلاثة ناقصاً أو مضطرب اًخسر فيه العراق من جرفه الكثير.

انها أزمة وان أشرت خطئاً واضحاً في التفاعل بين أطرافها الرئيسية الثلاثة، لكنها لم تصل الى طريق مسدود، إذ أن هناك أبواباً مفتوحة لإعادة التوازن وتعديل المواقف لتكون متجانسة في تفاعلها، تبدأ من الأحزاب السياسية التي يجب أن تتحمل المسؤولية وتتنازل عن كبريائها في التعامل مع الجمهور، وتخلي مواقعها المأخوذة من أملاك الدولة، وتعيد مناهجها ونظمها الداخلية لتقترب في المحصلة من الهدف الرئيسي وهو العراق. وعلى الحكومة من جانبها الخروج من قيد الأحزاب وزيادة سرعتها في الاستجابة لمطالب الجمهور والمبادرة الفورية في السعي لتغيير بعض فقرات الدستور وتناسي تقديم الوعوداسلوباً في التهدئة. أما الجمهور صاحب المصلحة عليه تغيير أساليبه في المواجهة، وترك العنف وتجنب التخريب، وتشخيص المندسين وتقديمهم الى الأجهزة المعنية في الحكومةوطرح المطالب القابلة للتحقيق، التي تضع إعادة بناء العراق وطناً آمنا لجميع العراقيين هدفاً أسمى، واستخدام تقنية الضغط والتوقف عنه ثم معاودته، لإعطاء فرص الى الحكومة في أن تعيد ترتيب أوراقها وتقديم ما يمكن تقديمه.ان أزمة التظاهر الحالية أزمة معقدة، جميع الأطراف مسؤولة عنها، وجميعها تتحمل معنية بالخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، وعليها أن تفعل، وان لا تتأخر، وبعكسه ستدفع البلاد ثمناً، لا يمكن تعويضه لعشرات مقبلة من السنين.

٢٦/١٠/٢٠١٩