إن العراق وبعد سبع سنوات، تجاوز أزمة الاحتراب الطائفي نسبيا، ووقف بعيدا خلف أبواب الحرب الأهلية التي كانت مفتوحة طيلة السنوات الماضية، لكن أهله أبقوا على قدر من العزل والاحتقان راكـدا في ذاكرتهم، وحالتهم النفسية العامة تشبه حالة المجتمعات ما بعد النزاع أو هي واحدة منها، حيث تتعايش في النفوس مشاعر شتى، ورغبات متعددة، وإتجاهات مختلفة، تمتد بين: الرغبة في نسيان الماضي والعيش فيه. والسعي إلى التسامح والميل إلى الانتقام. والثقة بالقادم والشك فيه. والقبول بالمصالحة ونوايا القيام بها والرفض القاطع للتحكم الناتج عن بعض مساوماتها.

واقع يجعل النظرة إلى المجتمع العراقي مثل النظرة إلى مريض، يحتاج إلى فترة نقاهة، إذ وعلى الرغم من تجاوزه مرحلة الخطر الذي تسببت بها إصابته البالغة، لكنه لم يتجاوز حالاتها أي لم يشف تماما، حتى إنه إذا لم يجد الرعاية المناسبة، قد ينتكس ويعود إلى سابق عهده مصابا بذات الداء وبدرجة أشد. من هذا الأساس، ومن منطلق مساعي بناء دولة، بأجهزة مناسبة متخصصة، لابد من أن يضع المعنيون نصب أعينهم التعامل مع المواضيع التي تسببت في الإضطراب أو المرض، وتقديرات الضرر، والآثار النفسية للخروق الأمنية المتكررة تعاملا علميا، يعتمد على مساعي تقليل أثر الضرر الحاصل، وتحصين المواطن ضد الآثار المحتملة الوقوع، ويؤسس قاعدة تجنب ذاتي للوقوع في فخوخ العزل مستقبلا. والخطوة الأولى في التعامل مع هذا الموضوع الذي أرهق النفوس، لعدة سنوات، وقرب البلاد من حافة الهاوية، وجعلته كل القوى المعادية للعراق أعلى أولويات أهدافها النفسية للإعاقة والتدمير، تتأسس وبمناسبة بدء الدوام المدرسي على مراجعة سريعة للنظام التربوي العراقي، المتهم في الزمن السابق بعدم إسهامه في إطفاء مثيرات العزل، والمتهم في الزمن الحالي بتعزيزها في العقول، والعودة بها إلى نكش الماضي غير المامون.....مراجعةٌ لابد وأن يفتش المتخصصون التربويون فيها، وليس السياسيون بين الرواسب عن مصادر الإثارة، ومقدار الضرر الذي أصاب المجتمع العراقي، بسبب إنتشار مشاعر العزل، ومن بعدها يحشدون الجهد المتخصص وليس الحزبي أو الديني، لإيجاد مفردات مناهج جديدة، لا تستفز قصص التاريخ فيها وحكاياته الطرف المقابل، ولا تؤشر معطيات الدين فيها الاختلاف الفقهي والعقائدي مع الطرف المقابل. بل وتستنهض في نفوس المتعلمين من الصبية والشباب الرغبات الموجودة في النفس البشرية للتفاعل والاندماج، وتقرب صور المقابل لهم إنسانا يشترك وإياهم في كثير من القيم والتقاليد ومستلزمات الحياة.

مناهج جديدة لنظام إجتماعي تربوي جديد، لا تمجيد فيه لقومية على حساب أخرى، ولا رفع شأن طائفة على حساب أخرى.... فيه الوطن العراقي فوق كل أعتبار.

نظامٌ، يكون كل إنسان عراقي فيه محترم، تُجل إنسانيته، وتقدر وطنيته، لا يخاف اللوم والانتقاد، ولا يخشى عزلة الغير من إخوانه مؤقتا، ولا يتوجس من الشعور بالوحدة وهو موجود بينهم كل الأوقات، ولا يجافي الحقيقة في السير إلى الأمام، وتكون فيه مؤسسات الدولة وكل الأطراف المشاركة فـي الحكم، غير قادرة علـى أستخدامه، وسيلة للوصول إلى غاياتها الحزبية الضيقة، ويكون فيه الولاء للعراق هو الأسمى من بين كل الولاءات الموجودة. وبعكسه سيبقى النظام التربوي منحازا منتجا للعزل والاحتقان، ويبقى العراق في دوامة التوتر والاضطراب، ويبقى الجميع مشاريع دفعٍ لمزيد من الثمن وإن كانوا من بين المنحازين.

                                                                            د. سعد العبيدي

                                                                            22/10/2010