لقد مرت المؤسسة العسكرية بمراحل صعبة منذ تأسيسها بعد أن وقفت المرجعية الدينية الشيعية بداية بالضد من التطوع الى صفوفها، فكان بالمقابل اصدار قوانين التجنيد الالزامي "خدمة العلم" والعقوبات المفروضة على التملص منها، حتى دخل العامل المادي طرفا في دخولها، بالنسبة الى المراتب كمكلفين اولا، وفي مراحل لاحقة مطوعين، وبالنسبة لبعض الشباب دخول الكلية العسكرية، خلافا لتوجيهات المشيخة القبلية والمرجعية الدينية، لتكون تشكيلة منتسبيه الى وقت قريب من عام 2003، غيرمتجانسة، غالبية ضباط صفها وجنودها من وسط العراق وجنوبه، وغالبية ضباطها بالرتب العليا وقادتها من شمال الوسط وشماله، فكونت او كون اختلالها، علاقة من نوعخاص خارج أطر التفكير المهني بين الاعلى والادنى، فيها الاعلى مغمور بمشاعر الانتماء الى سلطة الدولة التي لابد من اكبارها والاخلاص لها، والادنى غير مقتنع بوجوده جزء منها متمنيا زوالها، غير آبه لقيمها ولا ملتزم بضوابطها، علاقة تضاد،ابقت المجال واسعا لتناقض وجداني دخلت منه عوامل الانحراف والهدم والتخريب بسهولة.
ان هذا التناقض الحاصل في معادلات الولاء والالتزام القيمي وان لم تكن علاماته واضحة خلال الحقب الزمنية لستينات القرن الماضي وما قبلها، لكنها في الواقع كانت موجودة ومغلفة باغطية لا يريد الاعلى كشفها خشية فقدان السيطرة التقليدية على الادنى، ولا يريد الادنى تجاوزها اغطية وهمية خوفا على مصدر عيشه المرتبط بها،تطورت تدريجيا لتصل إلى مستويات ملموسة فيها قليل من الكشف ابان حكم عبدالسلام، وأقل منها في حكم أخيه عبد الرحمن، وأكثر بكثير في زمن البكر وصدام،فشكلت مع عوامل السياسة الاخرى بؤر تباعد نفسي، مهدت لحصول انحراف اسهم ولو بأجزاء محدودة في تكوين أجواء اضطراب، وتحلل، ودوافع أختلال قيمي غير مسبوقة مهدت مع عوامل اخرى الى انتهاء فاعلية القوات المسلحة في السيطرة والضبط داخليا، واضعاف قدرتها على تأمين التوازن المطلوب مع المحيط خارجيا.
لقد مر الجيش وعموم القوات المسلحة العراقية، بمحطات وعرة منذ التاسيس والى عام2003 عند تعقبها تحليلا يتبين، ان الكثير من هذه المحطات سياسية حرفتها عن الطريق المهني القويم، لان السياسيين الذين استخدموها اداة انقلاب، وسيطروا عليها وسيلة نفوذ،لم يحاولوا ابعاد استخدامها اداة تأثير في صراعاتهم البينية وحروبهم الداخلية، ولم يخلقوا البيئة المهنية التي تبعد منتسبيها عن التدخل في السياسة كما مثبت في قوانينها.وفي مجالها، لو استثنينا مرحلة التأسيس الاولى التي شهدت قوة دفع وطنية بسبب نشأة الدولة ثم الجيش والشرطة كمعيار لها فان جميع افرعها، قد شهدت تناقضات السياسة واطماعها التي دفعت بعض الضباط القادة الى التمرد والانقلاب على الدولة، ودفعتها كقوات مسلحة الى الانحراف تدريجيا عن طريق العلاقة الوطنية بالدولة. وأدت في نهاية
المطاف ان تكون القوات المسلحة أداة نافذة بيد الحكومة الحزبية استخدمتها في غير
محلها أكثر من مرة فأسهمت في اتمام عملية الهدم التي أنتهت بانتهائها حلا عام 2003.