لو شرعوا قانونا للعيب


عندما يكون الإنسان على المحك، مُقحما في دائرة الأتصال والتواصل النفعي، يظهر على طبيعته المحكومة بتركيبته النفسية المتأتية من، أصول الوراثة ومكتسبات البيئة، والمحكات التي أقحمَ السياسيون بها أنفسهم في عراق اليوم كثيرة ومتعددة، حتى باتت من فرط كثرتها، عصية على الضبط والإحصاء، لكننا نعيش وإياهم فترة الانتخابات التي تعد قصيرة زمنيا، وفيها حوادث الإقحام تطفوا على السطح، بما يسهل على الجميع عمليات الرصد والاحصاء، ومنها شاهدنا التدافع قريبا من خط النهاية، بأساليب تساوى في أستخدامها، الخصوم مع خصومهم، وكذلك الحلفاء مع القريبين منهم..... أساليب تعتمد الأقصاء والتغييب، والضرب تحت الحزام، بعضها سري، غامض، غير معلن، يتجاوز عند البعض من مستخدميه، مسألة الإحساس بقيود العيب، وبعضها الآخر، صريح، واضح، معلن، إلى الحد الذي غابت فيه الخشية من العتب ومن الشعور بطوق العيب. وهذا المعلن كثير ليس المطلوب منا تعداده في هذه الأيام، لكننا سنذكر منه مسألتين، يفسر ذكرهما حاجة المجتمع العراقي إلى تشريع قوانين العيب أو ما يمكن تسميتها من وجهة النظر النفسية بقوانين ضبط السلوك. هذا وأي كانت التسمية.

فالمسألة الأولى، تتعلق بعلو صوت الإتهام بالتقصير والفساد، وعدم الكفاءة لبعض المسؤولين في الدولة العراقية الحالية، من مسؤولين آخرين، حلفاء لهم أو كانوا كذلك حتى وقت قريب، وهي أتهامات بعضها مشفوع بوثائق وتسجيلات، كما يدعي المعنيون بصياغتها، وهنا يبرز السئوال، إذا ما كان القائم بالاتهام مسؤول في الدولة، ومشارك في عمليتها السياسية، ألم يكن من الأجدر به، وهو في منصبه الرفيع أن يطالب بتنحية المقصر، ومحاسبة المفسد، لترصين بناء الدولة والمجتمع ؟، وإن تعذر عليه ذلك، الم تكون الإستقالة هي الحل الأمثل لأحراج المقابل، وتسجيل المواقف والنقاط في ذاكرة العراقيين، وإحراج الحكومة والمسؤولين؟. لكنه لم يلجأ إلى المطالبة، ولا إلى الاستقالة، لأسباب لا تتعدى الرغبة الجامحة بالاحتفاظ بالكرسي، والمكاسب المادية، والوجاهة الاجتماعية، والأحتفاظ بها في حال السكوت عن الخطأ، عيب بالمعايير الاجتماعية في كل المجتمعات البشرية، يحتاج العراق إلى قانون ينظمه، وإلى ضوابط تلزم المسئولين الالتزام بمعاييره الأخلاقية.               

والمسألة الثانية، ذو صلة بالتمويل المالي للحملات الانتخابية، إذ ولا مرشح من المرشحين، ولا رئيس قائمة من القوائم الكبيرة والصغيرة، قد أجاب بشكل صريح عن أصول التمويل الخارجي، لحملته الأنتخابية، بعد ان شاهدنا غزارة الدعاية وكثافتها التي يكلف بعضها، المُعَدُ جيدا ملايين الدولارات، وأكتفى غالبية المشمولين، بإجابة قوامها، أن التمويل يعتمد على المتبرعين، وعلى بعض رجال الأعمال المؤيدين والمريدين، وهذا بحسب الخبرة السياسية البسيطة غير مُقنع، لأن الجمهور العراقي حتى المنظم منه، في تنظيمات سياسية، بات نفعيا "مع قليل من الإستثناء"، وغير مستعد للتبرع بدينار واحد لمرشح حزبه، بل وعلى العكس من ذلك، بقيت أفواه المؤيدين والمناصرين مفتوحة، عسى أن تلتهم الفتات من ما يجود به المسئول. ورجال الأعمال العراقيين في غالبيتهم، معروفين بالتقتير، وعدم المجازفة، والخوف من الدولة، وهم بذلك أو على أقل تقدير غالبيتهم غير مستعدين لتمويل حملات أنتخابية بملايين الدولارات، وإن جازف البعض منهم بالمساهمة فحساباته تتأسس على، توظيفها رأس مال لمستقبل قد يصل فيه المُمَولْ الى الحكم، ليعيدها إليه أضعافا، وهذه وإن حصلت في عام 2005، فقد حصلت بشكل محدود لما يتعلق بترشيح بعض الوزراء، وليس النواب، لأن الوزير أقدر من النائب على الإيفاء برد جميل الممول، وهذا موضوع إن صرح فيه المرشح وإن لم يصرح، يعود بعضه غير القليل إلى تمويل خارجي دولي، في حالته تتجاوز معايير العيب، المشاعر الشخصية للمرشحين، لتمتد إلى عموم مجتمع، يتطلب أن يحس أبناءه عموما بوكسة الاتكال على الخارج، وعَدّ حصوله عيبا ينتقص من عزتهم وكرامتهم، الأمر الذي يدفع إلى المطالبة بتشريع قوانين للعيب، والنزاهة، وضبط السلوك، عسى أن تسهم بالتخلص من الإضطرابات والآفات الإجتماعية التي استشرت في المجتمع العراقي بعد غياب معايير العيب.

27/ 2/ 2010