اعتاد العالم منذ نشأته جماعات تتصارع من أجل الكسب والبقاء استخدام القوة حجراً في البداية أو سيفاً وسط المشوار أو البندقية أخيراً، سبيلاً لفض الصراع وارغام الطرف المقابل الى القبول أو حتى الاذعان، لكن العالم اليوم مختلف عن عالم الأمس والبندقية التيقد يبدأ باستخدامها أحد أطراف الصراع أولاً قد لا يخدم هذا الاستخدام حتى الطرف الفائزفي الحرب، على هذا توجه العالم المتطور صاحب أقوى البنادق وأكثرها قدرة على الحسم والتأثير الى وسائل أخرى غير هذا السلاح تؤدي الغاية ذاتها في مسألة القبول أو الاذعان،فأسموها القوة الناعمة، وهي وسائل وإن لم تستثنِ الاستخدام المحدود للقوة أي البندقيةأحياناً إلا انها في المحصلة حروب تقع تحت بند النفسية غاية ومآل.
ولنا أن ننظر في مجال هذه الحروب الى الشرق، نظرة الى التغيرات الجارية في محيطه شاملة سنجد أن غالبية دوله باتت تتجه الى اتجاهات لم تكن تريدها في الأصل وكأنها أرغمت الى التوجه صوبها بتأثير قوى السياسة والاقتصاد وأعمال المخابرات كقوى ناعمة يجهل الناظر مصدرها في غالب الأحيان.
وعلى نفس المنوال لو نظرنا الى الصراع العربي الاسرائيلي سنرى وبوضوح لا يقبل الشك أن اسرائيل وبعد عدة حروب لها مع العرب انتصرت في جميعها بقدر من الكلفة، لمتعد ميالة الي استخدام التفوق في قوتها العسكرية بالضد من العرب الطرف المقابل لها فيكفة الصراع، واتجهت بدلاً عن هذا الى القوة الناعمة للإفساد والتجهيل والايهام والتفريق حتى سقطت في أتونها غالبية الدول العربية المقابلة حيث لم تعد قادرة جميعها علي المواجهة أو الصمود يوماً واحداً اذا ما احتدم الصراع، والأكثر من هذا آمنو بوهنهم وسعوا الى قبول الأمر الواقع وغلفوا مجتمعاتهم بغلاف الجهل واليأس والغرق في طقوس الدين والعودة بها آلاف السنين الى الوراء، ليقنعوا أنفسهم بمحدودية امكانياتهم قولاً وفعلاً، وفيا لمقابل لهم اسرائيل وايران وتركيا وباقي دول العالم تتحرك تحركاً سريعاً الى الأمام، لايلحظون أي العرب مقاديره ولا اتجاهاته في انهاء حضارتهم أو تغيير واقعها لتكون غير هذه الحضارة التي ستشيخ بحيث تكون غير نافعة للعيش كما يريد الأهل في وقت ليس بعيدعن الآن.
٤/١١/٢٠١٧