من الواضح وجود معضلة لما يتعلق بالوطن، وهي في الواقع معضلة ليست جديدة، إذظهرت واضحة بعد تحول حكم العراق الى الجمهوري الثوري الديكتاتوري، الذي توجهفيه الحاكم الى اختصار الوطن بشخصه، وحرف المشاعر من وجهتها صوب العراق خيمة تضل أهل البلاد الى شخص الحاكم ليكون هو البلاد، ودفع الضعفاء من الشعراء والأدباء الى التغني بشخصه حاكماً أوحداً والكتابة عن شخصه مخلصاً عبقرياً ملهماً، عندها تقلص مفهوم الوطن في عقول الجماهير، ومن بعد هذه المرحلة الفردية جاءت حقبة العشائرية المناطقية التي حاول بها الحكم آنذاك الاتكال على أهل المنطقة في حراسة وتأمين الوطن،فساروا هم وتحت وقع المنفعة الى أن يكونوا الوطن، وزادوا من هدم الوطن وتقليص مساحته في عقول العراقيين، وكانت الضربة اللاحقة لمفهوم الوطن كشعور في النفوس قد جاءت بعد العام ١٩٦٨، عندما سعى حزب البعث العربي الاشتراكي لإحلال مفهوم الوطن العربي محل الوطن العراقي الذي يحوي من بين أبنائه مواطنين أكراد وتركمان وهم ليس واعرباً، لكن الضربة الأقسى لمفهوم الوطن جاءت بعد اعتلاء صدام حسين للموقع الأول في رئاسة الدولة والحزب الذي وضع نفسه مكان الوطن، وتعامل مع الواقع السياسي بطريقة جزأت الوطن، عندما غزا الكويت طاعناً بشعار الحزب وأهدافه في الوحدة العربية، وقسىعلى الأكراد شمالاً ليدفعهم بعيداً عن الوطن، واتهم الجنوب بالعمالة وزرع بين أهله مشاعر التمرد على الوطن.

كانت تلك صورة للوطن الى العام ٢٠٠٣، صورة ضبابية، مشوشة، لا تحمل له معناً إيجابياً يستظل بظله المواطن أوقات الشدة وينعم بوافر ظله أوقات الرخاء. زادتها عوامل التغيير وأخطاء السياسة سوءاً وقتامة وضعفاً، عندما سعى الساسة الجدد لجهل منهم وضعف في تكوينهم الى إحلال الطائفة صورة بديلة للوطن، والعمل على تقوية الحزب على حساب الوطن، فتكونت على اثر هذا أوطان متعددة، وأصبحت في هيكل الدولة أوطان تبعاً للمكونات، وبات في الجيش الواحد ولاءات لأوطان تبعاً للطوائف والأقوام،ومثله في الشرطة والوزارات، وبالتدريج وبتكرار أعمال السياسة وفتح المجال للتدخل الخارجي انحسر مفهوم الوطن بشكل كبير في نفوس المواطنين.لكن الوطن مشاعر لا يمكن العيش دونها على الرغم من إمكانية التعايش مع جوانب الخللفيها، حقيقية أثبتت وجودها أحداث وشعارات التظاهر بعد ١/١٠ هذا العام حيث التركيز على الوطن قاسماً مشتركاً لعموم المتظاهرين، وأثبتت أن الوطن في داخلنا بحاجة الى انعاش ولملمة مشاعر وحماية من الاستلاب، وأثبتت أيضاً أن تحقيق مثل هذه التمنيات ليسب الأمر العسير، اذا ما عدل أهل السياسة مفهومهم عن الوطن وغيروا من اساليبهم فيالعيش على حساب الوطن، وسارت الحكومة خطوات الى الأمام في تحقيق العدالةوالمساواة والانصاف وإيقاف التدخل الخارجي والتعامل مع المحيط الإقليمي نداً، والايمان بان العراق أولاً .

١٦/١١/٢٠١٩