كاريكاتير


شرطة حماية المنشئات المعنيين بحماية وزارة الصحة يتمردون على الوزارة التي لجأت إلى تخفيض رواتبهم بسبب قصور في ميزانية مالية لم يحسب فيها حساب الكثرة المفرطة من الحمايات التي فرضتها ظروف الأمن السلبية، ولم يكتفوا بتمردهم ترك العمل أو الاحتجاج على ما جرى والمطالبة بالسقوط، بل دخلوا في هستيريا الشتم والهتاف وتحطيم الأثاث وبعض موجودات المكاتب في منظر مؤلم لا يصلح في مجتمع موعود بالديمقراطية إلا أن يرسمُ كاريكاتيرا على الجدران.

وضباطا عينوا في ملحقيات عسكرية تسابقَ أحدهم مع الزمن فركب طائرته متوجها إلى دولة الاعتماد قبل أن يستكمل الاستعدادات الإدارية والإجراءات المالية فاضطر أن يقضي وقته لأكثر من شهرين سائحا في الشوارع حتى أستنزف ما أستلفه من أموال وعاد إلى بغداد منتصرا في جعبته أكثر من صورة كاريكاتير، وتسابق الآخر بطريقة نسي فيها موظفة من موظفيه وهو في طريقه إلى رومانيا الأمر الذي دفعها سيدة في مقتبل العمر أن تطرق أبواب البعض من الموظفين في وزارة الدفاع تشكوا حال تأخرها عن الركب وتطلب العون من أهل الشيمة والعون بطريقة تمثل أنقى صور الكاريكاتير لهذا الزمان.

وألوية للمغاوير وأخرى للتدخل السريع وثالثة للطوارئ وغيرها من التسميات التي تلقي الضوء على طبيعة الواجبات الوطنية التي يؤدونها هذه الأيام، يغيب بعض منتسبيها مع بداية الشهر أو في منتصفه، ولم ينشر غيابهم في أوامر القسم الثاني حتى يتم صرف رواتلبهم في نهايته فيتقاسمه مع الآمر ضابط الرواتب وبعض المعنيين بنوع من الغبطة والفرح لا يستدل عليها فعليا إلا برسوم للكاريكاتير. ولم يتوقف البعض من الآمرين عند هذه الحدود الدنيا لفساد الذمم بل يذهبون أبعد من ذلك إذ يستلمون للفوج الواحد من الدولة على سبيل المثال أكثر من مليون دينار يوميا لأغراض الطعام، يتفقون على أساسها مع لجان يشكلونها لصرف جزء من المبلغ لأغراضه ويبقون الجزء الآخر هبات يتقاسمونها بنشوة فرح تفوق تلك التي يقدمها الكاريكاتير في أي مكان.              

وضباط بدرجات عليا يعمل بعضهم في أكثر من مجال ويتقاضى أكثر من راتب،  رغم أن التعلميات الصادرة من الدولة لا تسمح الجمع بين الوظيفتين ولا تجيز الاستلام الرسمي لدخلين في عملية إيهام للحكومة وللذات المتعبة تعبر عن معنى الكاريكاتير. وكثير من عسكر الجيش السابق وقليل من المتقاعدين التحقوا بالجيش الجديد، يستلمون بعد التحاقهم منحا ورواتب تقاعدية وكأن الآمر يخص دولتين وجيشين وزمنين لا يستدل عليهما إلا بصورة شاملة لكاريكاتير بلا عنوان.

إن المشكلة في الوقت الحاضر ليست في الكاريكاتير الذي يغطي العراق معبرا عن واقع مؤلم ومستقبل مجهول، بل بمستوى الخراب الذي أمتد عميقا في النفوس، وبسعة التبرير الذي أخذ مساحة كبيرة من العقول، ومقدار اللوم الذي تعود إلقاءه عليةُّ القوم، وعامته على الحكومة ورجالات السياسة، وعلى التغيير وطريقة الوصول إلى الديمقراطية دون أن يقفوا عسكرا ومدنيين، عمال وفلاحين، أجراء وموظفون، علماء وباحثين وآخرين أمام مرآة العقل" الضمير" ويلوموا أنفسهم على السكوت عن الخطأ أو المشاركة به، ويقروا في دواخلهم على أقل تقدير أن ما يجنوه نفعا هذا اليوم بسبب الجهل وعدوى الفساد سيزيد من نسبة الخراب الذي سيمتد بكل الاتجاهات حتى يصلهم طلقة تطلق بطريق الخطأ أو عبوة تفجر نتيجة التقصير، أو عمارة تتهدم نتيجة الغش، أو مرض ينتشر بسبب العدوى والتقصير، أو انفعال غضب في زحمة الطريق .... الخ من آثار جانبية لخراب بدءه البعض من أهل البلاد، وسوف لن ينته إلا بوعي وتكاتف الجمع الخير وبثورة ضمير من أهل العباد.

د. سعد العبيدي                                           16/5/2005