كارثة الجسر


لقد أَسقطَ الإرهابيون يوم 12 نيسان الجاري جسر الصرافية الذي يحمل  ذكريات البغدادين لأكثر من سبعين عاما: شباب ركضوا على حافاته يتأملون غد سيكونون هم فيه بناة العراق، وشيب سكنوا الصوب الآخر يعودون من عليه إلى الماضي حنين للذكريات، وعشاق مروا من تحته يصحبون البلامة وعيونهم إلى قاعدته الحديدية وإلى السماء يدعون من الله تحقيق الأمنيات، وممن تبقى من سائقي القطارات التي سارت عليه أيام زمان يستعيدون بالمشي أو المرور صفارات مكائنها المشهورة يوم تحسهم بالقوة والإقتدار، والعسكر المتقاعدون، والمسرحون قسرا من غير المتقاعدين الذين يعودون إليه مع كل غصة في حياتهم يتذكرون يوم قفزوا من على حافاته إلى الماء في أحد تدريبات الصاعقة يوم كان دور لهم وللصاعقة في الجيش العريق، وصائدي السمك، وأهل الكيف والمزاج الذين ينصبون الجراديغ تحته وقريبا منه يتمتعون بمشهد الغروب، وبأكل السمك المسكوف، وغيرهم من الشعراء، وزوار العتبات المقدسة، والبسطاء، وعابري السبيل.

لقد أسقط الجسر مارقون، ومن غير المعقول أن يكونوا عراقيون يقصدون طمس الذكريات، وحجب ما تبقى من التأملات، ولا يمكن أن يكونوا بغداديون يتعمدون إزالة القليل المتبقي من التراث الذي يربط بالماضي، ويعطي الأمل في المستقبل، إنهم من الدخلاء أو الذين شوه تفكيرهم الدخلاء فأخذوا على عاتقهم تدمير كل شيئ يرمز إلى العراق، وإلى الحضارة والتقدم في سعي محموم إلى إعادة أهل العراق إلى سالف العصر، والزمان لا حاجة لهم فيه إلى الجسور، وإلى المكائن، والمعدات، ولا إلى الكهرباء، والطيارات تكفي فيه الدواب والفوانيس، والمشي على الأقدام، وإمارة يقتنع القائمون عليها أنهم أدوا رسالة الإسلام.      

إنها كارثة بالمعنى الفعلي للكوارث التي تلم بالأقوام والشعوب، تم التخطيط لها جيدا، والتنفيذ بشكل جيد، وإنها عمل إجرامي، وإن وقع في دائرة الإرهاب المنظم فإنه يمثل من الناحية الفنية تطورا في عمليات الهدم والتخريب المادي، والنفسي تجاوز مسألة القتل الذي فاق كل التوقعات، ونشر الفوضى، والرعب، التي أخذت من البلاد مأخذا زاد كل الإحتمالات، وتدمير البنى التحتية التي أثخن الجراح فيها الإحتلال، والفساد، والتجاوز، والإستحواذ، والإرهاب.

إنها مأساة أراد الفاعلون من تحقيقها تأمين أكثر من غاية بينها: إثبات فشل الحكومة وخططها لإعادة بسط الأمن والإستقرار، وكذلك مساعي السياسيين للخروج من مأزق الفوضى، والإحتراب، ومن ثم إدخال القيادات العليا فيها، وجميع المشاركين في العملية السياسية في دوامة الإحباط التي تشعرهم بالعجز، وتبعدهم عن قواعدهم الجماهيرية أو من تبقى منها، ومن خلال عجزهم هذا وتكرار أعمال الإرهاب تحطيم معنويات العراقيين لتكوين قاعدة قبول لأهداف، وأفكار غريبة عن العراق، والأهم منها جميعا تكوين حالة عزل جغرافي، ونفسي طائفي  بين مناطق بغداد وأحيائها السكنية خطوة مطلوبة لتحقيق حرب أهلية بالمعنى الشامل للحرب الأهلية، مادتها المذهب والدين، وأدواتها أهل المناطق المعزولين.

إنها فاجعة تتطلب عدم الإكتفاء في مجالها بالإدانة والإستنكار، بل والإحتجاج، والتصدي لمرتكبي مثل هكذا أعمال في المحلة والمنطقة، والضغط على أهل السياسة لإعادة حسبتهم بإتجاه الإسهام في التهدءة، والمصالحة بعيدا عن التحريض، والإحتقان، وتتطلب من الحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية أن تغير من  توجهاتها في توزيع المناصب القيادية للأمن، والأستخبارات، والقيادات العسكرية على أساس المحاصصة وتبدلهم بالمهنيين، والإختصاصيين، أملا في أن يسهموا بخبرتهم في إنقاذ ما تبقى من العراق.

د. سعد العبيدي                         13/4/2007