ما أن تهدأ أجواء العراق وتتجه سفينته المبحرة وسط أمواج مائجة الى الرسو على شواطئ السلام أملاً في أن ينعم سكانها في العيش الآمن، تخرج من بين ركام الأفكار المثيرة الى الجدل أفكاراً تعيد الخلاف على أمور لا يقتضي المنطق عنها الاختلاف أو على الأقل لاتتحمل الظروف الأمنية والاجتماعية والسياسية إثارتها بطريقة التهديد والسعي لفرض الرأي المختلف عنه بالقوة. فتمثال أبو جعفر المنصور على سبيل المثال وما أثير حوله وبغض النظر عن ما كتب عن الرجل، والجدال الحاصل عليه فهو تمثال يرمز الى حقبة زمنية انتهت، وهو من زوايا أخرى فن ، والدعوة التي جاءت لإزالته والتهديد بإزالة مرقدالامام أبو حنيفة النعمان وتماثيل أخرى لرموز أخرى دعوة لا تخلو من الغلواء والتطرف المثير لمشاعر العدوان.
إن التطرف في الأفكار والآراء ينتج في المقابل أفكاراً متطرفة بالضد، تضع الطرفان في دائرة صراع يمكن أن تتحول في محيطها الأفكار أو بعض منها الى سلوك عدائي يجرم تطرفين آخرين الى ذات الدائرة التي تكبر امعاناً بالعداوة والعداوة المقابلة. هكذا تكون البدايات الأولى للتناحر العدائي في غالب الأحيان وهكذا يعم الخراب بالتأسيس على أفكار لأفراد أو جماعات يرون الواقع بعين واحدة.إن المشكلة في هذا الموضوع الحساس ليست بالأفكار إذ من حق أي عراقي أن يرى أبو جعفر المنصور أو غيره صالحاً أو غير صالح، مناسب تخليده بتمثال أو وضعه في غياهب النسيان. المشكلة في النظر الى الأفكار أنها الوحيدة الصحيحة والصالحة، والسعي لتطبيق مخرجاتها بالقوة، والمشكلة الأكبر السعي لإعادة البلاد عشرات بل آلاف من السنين الى الوراء والعالم يتقدم الى الأمام بسرعات عالية لا يتوقف عند تمثال أو سلوك يرجع تاريخه لما يزيد عن الف عام.
13/6/2021