لم تكن شحة المياه في نهري دجلة والفرات جديدة على أهل العراق، فالحذر من احتمالات حصولها بدأت من عشرات مضت من السنين، وعشرات أخرى من الدراسات عن مواضيع التصحر والاحتباس الحراري أكدت جميعها حصول الشحة في المستقبل ليس البعيد، وسدود بدأت في تشييدها تركيا النامية بقوة على هذين النهرين اللذين ينبعان من جبالها طوال آلاف من السنين، وكذلك فعلت إيران في روافدها التي تصب في العراق،سدود وتحويرات تؤثر دونما أدنى شك على كميات المياه الجارية الى العراق.

ولم تكن العواصف الرملية والترابية، والقيض اللاهب جديداً على سكنة هذه البلاد، فمنذ النشأة الأولى لدولتهم بوضعها الحديث في الربع الأول من القرن العشرين واجواء العراق فيها من الغبار حداً بدأت المناداة واضحة بداية خمسينات القرن الماضي لإقامة الأحزمةا لخضراء حول المدن وزيادة مساحات التشجير، لكنها مناداة ومطالب ومسودات مشاريع لمتر النور لأكثر من ستين عاماً، وكأن العقل العراقي قد أصيب باضطراب التحسب للمستقبل، وكأن التحول في نهج التفكير الثوري الذي حصل في العام (١٩٥٨) قد غيّر من طبيعة وسياقات الإدارة في التعامل وحل المشاكل المستقبلية، ودفع بالقادة الثوريون الى التعامل مع الحاضر، حل مشاكله بوسائل الترقيع، السعي لإرضاء الجمهور الماثل في الوجود، دون النظر الى المستقبل، والى التهديدات التي يمكن أن تطال الأجيال اللاحقة.ان الافراط في تعامل الساسة الثوريون، العلمانيون منهم والمتدينون مع الحاضر، وعدم اعارة الاهتمام الى المستقبل أوقعهم والبلاد في دوامة المشاكل الآنية، أنساهم الحق في التفكير بمشاكل المستقبل، وآثارها المحتملة، جعل الواحد منهم ساعياً لأن يعيش يومه،راغباً في أن يعلق مشاكل المستقبل على الغير من بعده، وعلى الله سبحانه (يحلها الحلّالْ)،وهو على وجه العموم تعامل أناني فوضوي، يحتاج العراقيون أن يعيدوا النظر به، وأن يعطوا التحسب المستقبلي أهمية لا تقل عن إعارة الاهتمام الى الحاضر والترضية ودفع البلاء.

10/5/2022