يكاد يجزم المتابع أن الساسة في العراق ومعهم البقالون والمسؤولون والمعلمون والعرافون وأبناء السبيل، نساء ورجال، شيب وشباب، الجميع في رؤياهم ومواقفهم يختلفون، على أي موضوع وشيء ولكل مسألة وبعض من الشيء يختلفون، حتى انسحبت طبيعة الاختلاف على وقع السياسة في البلاد، وعلى عيش أبناء العباد. المشكلة في هذا الموضوع الهام اجتماعياً وسياسياً، لا تتعلق بمعنى الاختلاف فالبشر بطبعهم يختلفون، الأخ مع أخاه التوأم يختلف، وكذلك الابن مع أباه، والحزبي العقائدي مع حزبه السياسي يختلف، والزوج أيضامع زوجته يختلف، إن المشكلة كما أسلفنا ليست في أن نختلف، بل في السلوك الناتج عن الاختلاف، إذ نرى أن الناس في المجتمعات المتحضرة أفراداً وجماعات عندما يختلفون في مسائل كبيرة، يجنحون الى تقديم الحجج ويستمر النقاش كناتج للاختلاف الى أن يقنع أحدهم الآخر، وأحيانا وهم مختلفون، يخرجون من جلسات الاختلاف، يضحكون، يتناولون طعاماأو شراباً، ويتفرقون بود أو يعودون لحلبة النقاش، يقطعون الابتسامة عند بواباتهاويتحولون الى أشخاص جادين يدافعون عن رؤاهم المختلفة. أما الملاحظ في مجتمعنا العربي بشكل عام والعراقي على وجه الخصوص، فان الاختلاف تصاحبه عدوانية على المختلف معه أو بالأحرى تبادل مشاعر العدوان بين الطرفين المختلفين، تتأسس على فهم خاطئ للأنا ورغبة في داخلها لإخضاع المقابل الى رؤياها الخاصة، وان لم تخضع وهيفي كثير من الأحيان لا تخضع لأنها تتصرف برغبات الاخضاع ذاتها.

ان العدوانية سلوك يسحب صاحبه الى الهجوم على المقابل في بعض الأحيان، وإذا ماتطور الأمر وزاد في النفس كم العدوان يمكن أن يتحول الاختلاف الى رغبة في تحقيق الايذاء للطرف المقابل يرقى أحيانا الى مستوى السعي للقتل، وهذا النوع من السلوك منبين عوامل تُدْخِل المجتمع في دوامات من الاختلاف تحول دون استقراره، خاصة إذا امتلك بعض أطرافه أسلحة وسلطة إخافة، قادرين على استخدامها في الوقت الذي يشاؤون لتحقيق فعل الاخافة وإخضاع المجتمع الى النفوذ خارج دائرة الصالح العام.هذا واقع يفسر في بعض جوانبه مشهد التوتر وعدم الاستقرار الذي شهده العراق منذ العام٢٠٠٣ وحتى الآن، حيث التطور التفاعلي للاختلاف بين المذاهب والقوميات والأديان،الذي أخَرَ من حصول الاستقرار لخمسة عشر عاماً قد تطول، ويفسر أيضا وقع الاختلاف الحاصل الآن بين أبناء الدين الواحد والمذهب الواحد وأحياناً أصحاب الشأن الواحد كماحصل في بغداد قبل أيام بين فضائيتين تنتميان الى كتلتين مؤتلفتين من مذهب واحد، خلاف تصاعد بشكل سريع، حتى حبس الشارع البغدادي أنفاسه، معتقداً وهو على حق أن أصابع منتسبي الطرفين قد وُضعتْ على زناد أسلحة بقى الطرفان محتفظان بها ليوم فضال اختلاف.كوارث تجنبها يكمن فقط في سحب السلاح.

١٣/١/٢٠١٩