في الذكرى السنوية للاحتلال


 تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية الرابعة للحرب، والاحتلال، ومن ثم التغيير الذي وضع العراق على طريق جديد يختلف كثيرا عن مساراته السابقة، فيه احتمالات التدمير واضحة المعالم، وفرص إعادة البناء الديمقراطي ممكنة التحقيق.

وهي ذكرى أو مناسبة لا بد وإن يقف عندها العراقيون بكل طوائفهم، وشرائحهم الاجتماعية وأحزابهم السياسية، وعلماء دينهم قفة متفحصة على خط وهمي مفترض بين التدمير، وإعادة البناء، وإن وقفوا بعقلانية، وتروي وأزاحوا من ذاكرتهم أفكار الانحياز المسبق، والرغبة بالانتقام غير المبرر، ومساعي توسيع الربح، وتعويض الخسارة سيكتشفوا في وقفتهم هذه أن التدمير الذي سعت له أطراف خارجية، ونفذت بعض جوانبه أطراف داخلية كانت خسائره خلال الأربعة سنوات باهظة الثمن، والاستمرار به سيكلف المزيد من الخسائر بالأرواح، والأموال. وفيه عيش تحت ضغوط التهديد ستدفعهم وأجيال الصبية، والشباب إلى أن ينحرفوا في سلوكهم، ويكونوا من ضمن عوامل الهدم، والتعويق المستقبلي. وفيه تعريض للبلاد إلى خطر التقسيم لتكتلات أو دويلات سيبقيها الاحتقان في احتراب دائم لعشرات أو مئات السنين المقبلة، سكتشفوا بعدها حتما كما أكتشف الأوربيون، والأقوام المتحضرة من قبلهم أن أسباب الفرقة واهية، ودوافع القتال غير منطقية، والنتائج المتأتية عنه غير مجدية، وإن العودة إلى العيش المتآخي الآمن السبيل الوحيد للقوة، والبقاء في الوجود. وسيكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم قد تصرفوا خطأ، وأندفعوا بطريق الخطأ، وإنهم قد تحركوا بإيحاءات، وخطط من الخارج جميعها خطأ. وستخرج من بينهم أحزاب تطالب ثانية بالتوحد، ومناضلين يهدفون إلى التوحد، وعلماء دين يدعون إلى التوحد، وسيجدون أن الزمان غير الزمان، وإن الخارطة قد تغيرت، ولم يبق لهم سوى العيش بالأحلام، والحسرة على أيام زمان كان فيها ملاذ أسمع العراق.   

إن الوقفة المتأنية على ذلك الخط أو قريبا منه ستدفعهم حتما إلى أن يكتشفوا ببساطة أن إعادة بناء البلاد ممكنة، والمشاركة الجماعية فيها سبيلا وحيدا للخروج من المحنة. وإن النضال من أجل تخليص البلاد من المحتل لا يتوقف على الاستخدام غير المتكافئ للسلاح، وفرص الكفاح السلمي مواتية. وإن إعادة العراق إلى ما كان عليه حكمٌ للحزب الواحد أو الطائفة الواحدة وهمٌ. وجلب الإرهاب إلى ساحته الداخلية سعي لقتله تخطيط أجنبي لا ينبغي أن يكونوا أدواته في التنفيذ، والتعويل عليه لتحقيق المكاسب وهمٌ لا يمكن الركون إليه. وإن الطائفية سلاح بشع تتوزع شظاياه بكل اتجاه، سيقتل التمادي باستخدامها القائمين عليها، والمنفذين لأدواتها. والتخريب لبنى الدولة التحتية، وإراقة الدماء لا تحقق الآمال في السيطرة على البلاد. وإن المصالحة خطوة مهمة لبدء ترميم البلاد إذا ما بدأت مع الذات لتخليصها من الفردية، والأنانية. وإن محاربة الدولة من داخل أجهزة الدولة لا ينفع في بناء دولة. وإن الحكومة منتخبة يجب إعطائها فرصة كافية، والاستعداد للانتخابات المقبلة في تحديد شكل الحكومة المناسبة واجب ينبغي السعي إليه من الآن.

إن الفرصة لم تنتهي بعد، والوقوف على ذلك الخط ، وخطوط أخرى أو حتى بعيدا عنها مع الذات المتعبة هو السعي الأمثل لمحو الصور المشوهة، المثيرة، والمقلقة، وهو الأمثل كذلك لتقريب الصورة الحقيقية إلى الذاكرة القريبة، وإدراك الصورة المستقبلية التي نحتاجها جميعا لتصحيح مساراتنا الخطأ في وقت اختلطت فيه الصور، وتشوهت  المدارك التي تحتم الوقوف الناضج قبل فوات الأوان.           

د. سعد العبيدي   20/1/2007