فواجع تصفية العلماء


كثير من حملة البنادق والمتفجرات، يتجولون في شوارع بغداد، لا يحملون في عقولهم سوى الأفكار ذات الصلة بالقتل والتهجير، ولا هم لهم سوى إرضاء مصدر الدفع والتمويل وكثرة التحرك لزيادة الكسب الذاتي غير المشروع، وقليل من الأساتذة، والعلماء، والأطباء، والباحثين يمرون في شوارع يحملون في داخلهم قلق المجهول، وعلى أكتافهم هموم العراق، وفي قلوبهم نزف دام يزيده سعة ما يجري في العراق.

قتلة ينشرون الجهل في كل مكان يحلون به أو يقتربون منه داخل أسوار بغداد وخارجها.

وجمهور يئس من إمكانية الوقوف بالضد من أعمال الجهل يسأل عن أسباب القيام به وسيلة للعودة بالعراق إلى سابق العهد آلاف السنين، وعن الاستهداف العمدي لهؤلاء العظماء، وقادة الفكر والتحضر والتطوير الذي أوصى بهم الباري عز وجل ورفعهم إلى منزلة الأنبياء، وعن النتيجة التي لم يحصل لها إجابة فرمى بأسبابها على الأمريكان، والإسرائيليين، والإيرانيين، والعرب القريبين والبعيدين، دون أن يتذكر دور المنحرفين من العراقيين الذي يسعون إلى التحكم بالشارع بعيدا عن تدخل العقلاء والمفكرين والمثقفين.

وحكومة عجزت أدواتها العسكرية، والأمنية المعنية بالضبط، والسيطرة عن أن تفعل شيئا لحماية عالم لم يبق العلم في خلايا ذاكرته متسعا للتفكير بالكيفية التي يحمي بها نفسه ذاتيا وهو العبد الفقير بالمقارنة مع حامل بندقيات يكسب في تجواله وضح النهار ملايين الدنانير من المساومة على اختطاف، أو تنفيذ مهمة اغتيال، أو بيع جثة أستاذ إلى جهة تستمر بالدفع حتى تُفرغ العراق.

وبين جمهرة الأساتذة والمختصين هناك عظماء مثل أساتذة كلية القانون في جامعة النهرين الدكتور عدنان العابد، والدكتور عامر القيسي، والدكتور عبد المطلب الهاشمي الذين استمروا بالتدريس في كليتهم التي يتطلب الوصول إليها بالكاظمية أحيانا اجتياز بعض السيطرات الوهمية التي تسأل عن الأصل والمذهب والدين،  يجيبون عن أسئلة توجه لهم من الأهل والأصدقاء عن أسباب ذهابهم إلى هناك، ودوافع عدم هجرتهم إلى الخارج ببساطة:

أنهم يؤمنون بالله وبقدره، وإن العراق أمانة في أعناقهم، وإن تخليهم عن مهامهم في نشر العلم والمعرفة، وزيادة التحصيل هروب أمام الجهل الذي سيدفعون هم وغيرهم ثمنه آجلا أم عاجلا، فخروا صرعى مبادئ يؤمنون بها، وأفكار يعتقدونها، ووطنية أصيلة يحسونها وزمن لا يناسب العقلاء أن يعيشوه، وجمهور لا يمكن أن يعطيهم حقهم.

إنها خسارة جسيمة لا يدركها العقل البشري، و مأساة أخلاقية يصعب التعبير عنها، وفقدان لكوكبة من العظماء لا يمكن تعويضه، وفجوة حضارية سيخلقها التجهيل المتعمد لا يمكن سدها في المستقبل القريب والبعيد في آن معا، وتجاوز على مبادئ الشريعة الإسلامية،  لا يمكن فهمها، وأعمال بربرية لا يمكن تفسيرها إلا في سياق الفوضى المطلوب تعميمها لطمس حضارة العراق ودفعه إلى أن يكون أداة بيد القتلة والمفسدين.               

د. سعد العبيدي                                      6/2/2007