ليس العراق وحده من مر بمرحلة انتقال من نظام ديكتاتوري فيه الكلمة للشخص الواحد أوالحزب الواحد، فهناك في المجموعة السوفيتية التي تفتت ودول أوربا الشرقية دول مثيلة،أنتقل بعضها الى الديمقراطية بسلاسة وهدوء وحقق الاستقرار، وانتقل البعض الآخر بقدرمن الاختلاف البيني والعنف المتبادل فأطال زمن الوصول الى الاستقرار.وليس العراق وحده من تحوي تركيبته الاجتماعية أديان مختلفة وقوميات متعددة ومذاهب غير متوافقة، فغرب العالم الآن وشرقه تعيش شعوبه بتركيبات متعددة الأصول والأجناس،بعضها الغالب تطور وتحضر وأرتقى في فهمه لمتطلبات العيش الآمن حدا قبل الآخرو استوعب خصوصياته وعاش الى جانبه في حدود الفهم المشترك للحقوق والواجبات وأمن قدراً عاليا من الاستقرار، وبعضها الأقل بقيَ أهله أسرى الجهل والعداوة والاعتقاد بصحةالرأي الواحد واستمروا في تناحر جعل العيش في مجتمعاتهم قاصراً عن تحقيق الاستقرار ولو بحدوده الدنيا.

ان العراق بوضعه السائد لما بعد ٢٠٠٣ يمكن تصنيفه على القسم الثاني أي البعض الأقل اذوعندما انتهت السلطة الديكتاتورية الضابطة قسرياً انطلقت الميول والرغبات والاجتهادات الخاصة للمكونات من عقالها في سعي دائب لفرضها من قبل أصحابها على الآخرين بشتى الوسائل بينها القوة، فكان للشيعة تصوراتهم وأهدافهم الخاصة، وكذلك الحال للسنة والأكراد والتركمان والازيدية والشبك وغيرهم يسيرون جميعاً بالاتجاه الذي يرونه مناسبا لتحقيق الأهداف الخاصة، دون التحسب لتأثيرات العالم والمحيط الاقليمي ورغبات الغير وقدرة البلاد لتحقيقها بسلام، فانفتحت بسبب هذا السلوك المصلحي العدائي الجاهل ثغرات في جدار الأمن القومي دخلت من خلالها الدول والجماعات التي استشعرت الخطر على أمنها أواعتقدت سنوح الفرصة لتحقيق مكاسب أكبر في جوانب الأمن والاقتصاد، فزادت تعقيدات المشهد وأضعفت قدرة الدولة على ايجاد وفرض الحلول الوطنية المناسبة.

ان العراق بوضعه غير المستقر، لا يمكن أن يبقى حالة استثناءً في عالم يتجه الى التحضر والتفاهم وقبول التعدد والتنوع، وعلى وفق هذه الحقيقه فانه سيحقق الاستقرار حتماً حيث العيش الآمن لجميع أبناء المكونات وبما يؤمن غالبية أهدافهم ورغباتهم الخاصة ضمن اطار الهدف العام للدولة. لكن المشكلة في هذا الجانب تكمن في الزمن وفي الشخصيات السياسية القادرة على قيادة السفينة المبحرة لتقليصه وتقليل الخسائر وايقاف الاستنزاف، وهذا الأمر وعلى الرغم من الشكوك التي تكونت ابان سني الانتقال الثلاثة عشرة الماضية، الا أن أحداث اليوم تؤكد امكانية تحقيقه بوقت ليس بعيد فزيارة السيد البارزاني الى بغداد بعد قطيعة لها بالإضافة الى موقف الحكومة ورئيسها في ايجاد حلول واذابة جبل الجليد في العلاقة مع الاكراد وغيرهم من أبناء المكونات والتركيز أولا على تحقيق الأهداف العامة،يمكن أن تكّون وضعاً سياسياً ملائما لقيادة عجلة الاستقرار وبأسرع مما يتصور المجتمع المحبط من كثر المناكفات والتوجهات لتحقيق الخاص على حساب العام.

ان الفرصة وفي أجواء تكونت اليوم بجهود البعض من الساسة الخيرين مناسبة جداً لبناء العراق المستقر الموحد، ولابد من استغلالها، لأن عدم النجاح في استغلالها سيفتح أبواب فترة زمنية أخرى من الاضطراب قد تكون أكثر قساوة وخطراً... فترة مهما حاول أصحاب
الأهداف الخاصة التحرك في محيطها، فإنها ستنتهي يوماً وسيسجل التاريخ أنهم كانوا سبباً في اطالتها وتدمير العراق، وعليهم قبل التحرك الأخذ بالاعتبار أن العراق لا يتحرك في المحيط منفرداً فهو جزء من كل وتوقيتات حركته مرتبطة بتوقيتات الآخرين، ومن سيكون سبباً في عدم ضبطها من ذوي الأهداف الخاصة سيجد نفسه وسط بحر هائج لا يمكنه العودةالى الساحل مهما كانت قوته التي هي في الواقع وهما ومحض ادراك خاطئ.

١/١٠/٢٠١٦