عقدة الإمارة في تدمير الحضارة



يبدو من سير الوقائع والأحداث أن الزرقاوي قد حلم في مقتبل عمره أن يكون أميرا، أو أن مساهماته في القتال المغلفة بالشعارات الجهادية كانت معظم جذورها تمتد في العقل إلى الدوافع الذاتية، وهذا ما تؤيده مسيرته القتالية، وآراءه الدينية، ومجريات الأحداث التي رافقت تلك المسيرة، إذ إنه وعندما وصل أفغانستان خطوته الأولى في القتال التي لا يمكن أن يستثني أحد في مجالها عوامل الدين في توجهاتها قد عمل بجهد وتقرب من الحلقة الأعلى التي تحاول تجسيد مفهوم الأمارة السلفية في العالم الإسلامي وحضي بثقتها، ودعمها ورعايتها حتى تبين له أن ساحة أفغانستان التي يكثر في محيطها الأمراء الكبار وتقوى فيها القبلية، لا تصلح مكانا لإنشاء عدة إمارات في مناطق ينبغي أن تكون فيها الجغرافية، والطبيعة السكانية، والطائفية، والظروف القتالية عوامل مساعدة للتكوين، والاستمرار.

لكن الحلم لم ينته، وقد تجدد بقوة مع بداية الحرب في العراق التي لا يمكن لأحد أن يؤكد أن الدين فقط هو العامل الأساسي أو الدافع الرئيسي للقتال بسبب حالة العراق، وطبيعة نظام الحكم السابق والانقسام الطائفي في الرؤية لما يجري، ومع ذلك وجد فيها الزرقاوي الفرصة سانحة لتحقيق الذات الخاصة،  فحضر إليها مدربا تدريبا جيدا على حرب العصابات التي تتلائم وأساليب القتال على الأرض العراقية فتجعله بالصدارة، وجاء مغرما بالقتل وسيلة وحيدة لتحقيق الغاية تهيئ له المجال أن يخيف الموجودين من حوله والأتباع وتبقيه في الأعلى، ووصل مسلحا بأفكار سلفية طائفية تنسجم وغياب التنوير، والردة، والشعور بالاحباط بين البعض من الشباب الجاهل تضعه في جو الملائمة. 

ويبدو من الخطوات الأولى لمسيرة المذكور أن جوانب الذات أي الحلم في أن ينشأ إمارة هو فيها أمير كانت هي الدافع القوي في السلوك إذ توجه أولا إلى المكان الذي يمكن أن يحقق فيه تلك الطموحات، وليس المكان الأكثر حاجة للقتال من أجل العقيدة ، إذ أننا لو رجعنا قليلا إلى الثقافة العربية والإسلامية السائدة حتى يومنا هذا وقارنا في موضوع أحقية القتال كما يراه غالبية الفقهاء والمتدينين بين فلسطين التي صنفت بالمغتصبة في هذه الثقافة، وبين أفغانستان أو حتى العراق الذي أختلط فيه مفهوم التحرير بالاحتلال نجد أن الكفة تميل إلى صالح القتال في الساحة الفلسطينية، ونجد في ذات الوقت أن العزوف عن الذهاب إليها من قبل الزرقاوي الذي يقيم قريبا منها كونها ساحة لا توفر مجالا له في تحقيق الذات والأحلام، فهناك مقاتلون فلسطينيون لا يمكن منافسهتم في الوطنية، وهناك قوة ردع إسرائيلية لا تسمح للتفكير بمثل ذلك، وهناك تجانس طائفي في المجتمع الفلسطيني لا يمكنه التأسيس عليه في إثارة الفتن والأحقاد، وهناك وعي بين الشباب الفلسطين يتأسس على أن تحقيق طموحاتهم في الاستقلال وإقامة دولتهم لا يمر عبر الإمارات المتفرقة هنا أو هناك، ونجد أن الإمارة التي يريد أن يكون فيها الزرقاوي أميرا سيغيب فيها العلماء لأنهم لا يقبلون مثله جاهلا يحول دون تطور بلدهم، وسيهرب منها الأطباء لأنهم لا يوافقون على العودة بالطب إلى الفصد والحجامة، وسيترك فيها الطلبة جامعاتهم لأنهم لا يريدون العودة بهم ودراستهم إلى الكتاتيب، وستتنحى فيها المرأة نصف  المجتمع لأنها لا تقبل أن تكون آلة تفريخ، ووسيلة تمتع جنسية لحامل سيف مثلوم، وسيهاجر منها العسكر لأنهم لا يستطيعون العودة باساليب التعبية والقتال إلى النبل والسيف واستخدام الدواب، وسيحاول، ويستنجد فيها العقلاء، والكسبة، وسيستغيث الأطفال، وسيتمتع فيها فقط المرضى بداء الذات المفرط، والجهلة، والقتلة، والحالمون بالعودة إلى الماضي سبيلا لتمدير حضارة العرب والمسلمين.     

د. سعد العبيدي              24/6/2006