العراق منذ تأسيسه أو بالأصح منذ تغيير شكل نظام الحكم فيه، من الملكية الدستورية الى الجمهورية الثورية بقوة السلاح، ومنذ أن خرج العسكر من ثكناتهم ومن سياقات تنفيذهم المهني لأمر السياسة، ليقتحموا رمز الدولة، ويحلوا القتل سبيلاً لألغاء الرمز، وأجتثاث الآخر،ومنذ أن أوكلوا لأنفسهم إدارة شؤون السياسة خلافاً لأصولها وضوابط الحكم في العصرالحديث، وأدخلوا الشرعية الثورية أسلوبا في التعامل مع الدولة والشعب، منذ هذا التجاوز وعوامل دولية أخرى مساعدة بدأ مسلسل الأزمات في هذا المجتمع، أزمة تلو أخرى، حتى وُضعت البلاد في دائرة أزمات مغلقة، فيها الحاكم يتشدد ثورياً للتعامل مع أزمة، فينتج بتشددهم جموعة أزمات، يتوجه صوب التفرد في الحكم لمعالجة أزمة ليجد بمواجهته عديد من الأزمات، وتعقيد أشد لوقعها. وبصددها يستطيع المتتبع الى تاريخ العراق الحديث تلمس حدوث مئات الأزمات وفشل الدولة الواضح في معالجة الكثير منها، حتى بات العراق وكأنهأرض خصبة للأزمات، وكأن أزماته مسلسل أمراض ألمت به لتبقيه عليلاً على طول الزمان،إذ لم يشفَ من أزمة مؤامرة، ليدخل في مشاكل حدود مع الجيران، وعندما يخرج منها يدخل في أزمة اقتصاد ونقص وقود وشحة مواد وتمرد هنا، وموقف بالضد هناك، لتنتج أزمات كبرى على شكل حروب، فالقتال مع الأكراد في الشمال الكردستاني أزمة لم تهدأ، والحرب معايران أزمة لم تنفع، ومن بعدها احتلال الكويت أزمة كانت هي الأشد تأثيرا وأفضع. وفي نفس المجال سيجد المتتبع لهذا المسلسل ولغاية عام 2003 أنه، وكلما حدثت أزمة كلما بادر الحاكم في التشدد وفرض الرأي الواحد، وتقييد الحريات تحت بند الشرعيىة الثورية الى أن وجد نفسه أي الحاكم مقيد بأساليب الفردية، وطوق العائلية المناطقية، لا يستطيع الخروج منها، أزمةأنهت الحكم عن طريق الاحتلال، وأوجدت شكل أزمات من نوع آخر لا تختلف مخرجاتها في التأثير على المجتمع المرهق، فطبيعة الادارة عن طريق المحاصصة أزمة، وعدم رضا المكونات الاجتماعية عن حكم الأغلبية الديمقراطية أزمة، والارهاب أزمة، والاقتصاد أزمة،والفساد أزمة، والاقليم أزمة، وقوانين الثروة والمياه أزمة، والمليشيات أزمة، حتى بات العراقوكأنه ساحة أزمات دولية أو مطوق بطوق أزمات خارج عن ارداته، لا يستطيع الخروج منه،وان تغير شكل الحاكم والحكم، الأمر الذي يدفع الى التساؤل:
من هو المسؤول الفعلي لتكوين كل هذه الأزمات؟.
ما دور الادارة التي تحكم في وجود واستمرار الأزمات؟.
هل الشعب يتحمل جزءاً من المسؤولية الاعتبارية بتكوين الازمات واستمرارها؟. وهل لاستخدام القوة السلطوية لادارته التي أدمن عليها علاقة بتكوين الأزمات؟. ولماذا أصبح غير قادر برمته على التعامل الصحيح مع غالبية الأزمات، كما هو حال الشعوب الأخرى التي تتعرض هي الأخرى الى أزمات؟.
إنها أسئلة وأخرى غيرها، والى أن نجد لها جواباً مقنعاً أتوقع استمرار مسلسل الأزمات حتى تُحقق غاية وجدت من أجلها، لا يمكن لمعظمنا إدراك طبيعتها بمستويات ادراكنا السياسي
الحالي، أو الى أن يخرج الشعب من غفوته، ويجد حلاً لأزمات بات هو طرف فيها من خلال الجهل الذي يغطس فيه، والردة الى الماضي التي يسير عليها، وعدم تحمل المسؤولية التي يعتمدها، والاتكال على الأجنبي في الاستقواء على ابن البلد، والتناحر والكره والكسل وعدم الثقة بالنفس والآخرين... والى أن يخرج منها سنستمر بدفع الثمن الباهض لمسلسل الأزمات.
30/1/2016