بعد طول انتظار وجدل ساسة الشيعة الكبار (المتنفذون) واحراجات اللحظة الأخيرة، كماهو معتاد في وقع العملية السياسية، كلف السيد رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح،النائب عن كتلة النصر السيد عدنان الزرفي بتشكيل الوزارة القادمة، متأملاً أن يحقق مطالب الشعب العراقي بعقد انتخابات مبكرة.
كان التكليف لمن لا يعرف بواطن الأمور مفاجئاً، فقد جاوز الرجل عقبة جدار الخط الأول وتقدم على الغير واثقاً من نفسه ومن قدرات له تكونت من هروب له بعد انتفاضة عام١٩٩١، شاباً نجفياً في منتصف العقد الثاني من العمر ذا انتماء الى حزب الدعوة، وم نتواجد في معسكر رفحة مثير للشك والجدل، وفترة لجوء في الولايات المتحدة الأمريكية،عمل طوالها ليعيش ثم عائداً منها بعد السقوط مع فريق الاعمار، شاقاً طريقه في المنافسة،حاصلاً على منصب محافظ النجف، الذي لم يصمد على كرسيه طويلاً بعد تحشيد السياسة الشيعية بالضد منه حتى أقالته بعد توجيه بعض الاتهامات، لكنه لم ييأس ساعدته شخصيته الطموحة الى كسب منصب وكيل وزير الداخلية في فترة التحالفات المعهودة مع السيدالمالكي، ثم عضو في مجلس النواب. تنبه الى الواقع العراقي وعرف مراكز القوى السياسية والدينية وأدرك الطبيعة الاجتماعية، فحث نفسه على التحصيل الاكاديمي وحصل على البكالوريوس من كلية الفقه وكذلك الماجستير، واندفع بميل قوي للوقوف في صف السياسة الأول، كون كتلة وخاض الانتخابات، لكنه لم يفلح فعاد الى الصف الثاني منجديد، دون أن ييأس حتى سنحت له فرصة التكليف لأن يقف من جديد بقوة وثقة عالية بالنفس منافساً ساسة الخط الأول.
ان الزرفي الذي تبين تحركاته وتاريخه السياسي والوظيفي إنه شخص ذكي وطموح،وصاحب قرار قوي، وتبين التسريبات واللقاءات المتلفزة معه والتصريحات أن له آراء في حصر السلاح بيد الدولة، والابتعاد عن المحاور الاقليمية، والوقوف بالضد من المليشيات،وهو وان استطاع ان يكسب الجولة الأولى والفوز بالتكليف، لكن المعركة من أمامه لمتنتهي، وأول مواجهة له ستكون مع التكتل الشيعي الذي يقوده السادة المالكي والعامري والخزعلي بصفة رئيسية وآخرين محسوبين على المعسكر المناوئ لتواجد القوات الأمريكية، القريب من إيران، وهي مواجهة لمعركة بجولة ثانية ستكون شرسة أذا مااستطاع السيد الزرفي كسبها في البرلمان، وهو أمر ليس بالسهل، واذا ما كسبها ستنفتح منأمامه الساحة ليكون رئيس وزراء مرحلة يمكن أن يسجل العديد من النقاط الإيجابية في العقل العراقي والدولي، لكن كسبها بحاجة الى حسم ملفات ساخنة أهمها تحديد الوقت المبكر لإقامة الانتخابات، وهو وإن وعد في هذا الأمر لكن ما وعد به حدده بسنة تحديداًفيه قدر من الرخاوة المطاطية التي تتطلب حسماً في تحديد موعد واضح قابل للقياس،وأخرى لا تقل عنها أهمية وهي ترتيب العلاقة الشائكة مع إقليم كردستان التي شهدت مداً وجزراً بضوء مواقف وطباع رؤساء الوزراء الموجودين في بغداد وعلاقاتهم الشخصية مع ساسة الإقليم حيث الحاجة الى البت في موضوع كركوك والميزانية والنفط ورواتب البيشمرگة واحصاء عدد الموظفين وعوائد الجمارك، وهي وان تبدو معقدة شائكة لكنه اليست عصية على الحل إذا ما تحرك السيد الزرفي باتجاه تفتيت جدار فقدان الثقة بين
المركز والاقليم واستطاع جلب الطرفين عن نقطة الوسط مؤمنين سوية بضرورة تقديم التنازلات من أجل عراق قادر للعيش بأمان وإقليم حصين له حصة في القرار المركزي مطمئنْ لمستقبل مضمون.اما المسألة الأخرى التي سيواجهها السيد الزرفي، وهي مهمة كذلك مسألة التعامل مع كبار الكتل السياسية الشيعية التي كونت طوال هذه السنين السبعة عشر قواعد كونكريتية للتحكم في الدولة والمصالح والمال يصعب خرقها، وهي تحتاج الى استخدم مرونة القوة. ومسائل أخرى أقل صعوبة تتعلق بالاقتصاد حيث الحاجة الى السيطرة على عوائد المال والتبذير والفساد والتزوير في رواتب المفصولين السياسيين ورفحة والشهداء.وختاماً يمكن القول ان الساحة من أمام السيد الزرفي معقدة، مليئة بالألغام وبنية تحتية للدولة محطمة غالبية أركانها، يحتاج إصلاحها والخوض في غمارها الى شخصية قوية ونزيهة ورجل دولة يتجاوز في نظرته الى الحكم مسائل الولاءات الجانبية الى المذهب والمنطقة والقومية، في رؤيا يكون فيها العراق فوق كل اعتبار.ان فعلها سيكون فعلاً هو رئيس وزراء المرحلة.
١٨/٣/٢٠٢٠