للمرة الثانية يوقع السياسيون العراقيون عمليتهم السياسية والدولة في مأزق الاختيار اللازم للمنصب الأعلى في الدولة (رئيس مجلس الوزراء) بالتأسيس على التوافق المصلحي دون الاكتراث لمواد الدستور التي حددت هذا بقدر لا يخلوا من الغموض. إذ وفي المرة الأولىكانت في انتخابات العام ٢٠١٠ يوم فازت قائمة الدكتور أياد علاوي، والتي أختلف في حينها باقي السياسيين الفائزين على مسألة تكليفه باعتباره رئيس الكتلة الانتخابية التي حضرت الى البرلمان وفي يدها صك الغفران بأنها الأكبر أي الأكثر عدداً، واتفقوا أوتوافقوا على أساس المصالح في أول جلسة ان يلملموا أرقام نتائجهم ويجمعوها معاً ليكونوا كتلة توافقية في قاعة البرلمان، وسهل أمر تمريرها في ذلك الوقت حيث لم يكن فيه الشعب طرفاً ناقداً أو حتى مراقباً لما يتعلق بتمرير التكليف أو عده خرقاً لمواد الدستور، لأن أغلبهكان ما زال مراقباً منحازاً للكتلة التي تكونت في الجلسة الأولى بدوافع الشعور طائفياً بأحقية الحكم.
ومر الأمر هكذا طوال هذه السنوات توافق سهل يفضي الى اختيار رئيس للوزراء بقدر من التفاهمات تجري في المعتاد سهلة بضوء المصالح والارتباطات والعلاقات الى عام الانتخابات الأخيرة سنة ٢٠١٨، لتعود فيه السياسة الى ارتكاب نفس الخطأ الحاصل عام٢٠١٠، إذ وبعد أن أظهرت النتائج فوز كتلة سائرون بالعدد الأكبر، والتي يضمن لها الدستور بمادته السادسة والسبعون تكليف مرشحها بتشكيل الحكومة، عاود السياسيون المنحازون، الركون الى التوافق المصلحي في تكوين كتلة افتراضية أنها الأكبر وبطريقة فيها قدر من الغموض، لكنها حصلت على التكليف. لكن الشعب هذه المرة قد تغير موقفه ومكان وقوفه من العملية السياسية ولم يعد ساكتاً على صيغة التوافق المصلحي التي تخلأو تخرق بعض مواد الدستور، فتدخل عن قرب وقلب جميع الموازين بخروجه الى الشوارع، تظاهر فيها واحتج وفرض واقعاً جديداً بات فيه هو الأقوى والأكثر تأثيراً.ان التجاوز الذي حصل على الدستور مرتين، يؤشر قصوراً في مسألة التحسب للمستقبل،ويؤشر أن النهج السائد في التفكير لدى العديد من أحزابنا وكتلنا السياسية هو التأسيس على الموقف الآني وعلى الفرص السانحة في التعامل مع المعاضل وتأجيل تلك المستعصية الى المستقبل متكلين على أمل النسيان أو على فرضية أن الله سبحانه وتعالي سيوُجِدْ الحل على وفق كرمه وعونه (الله كريم). والتأجيل على ما يبدو هو وراء ما وصلت اليه البلاد منفوضى في الشارع تجاوزت في بعض الأحيان مجرد التظاهر الى العنف في التعامل معوبين المتظاهرين، والمجال مفتوح الى أكثر من هذا إذا ما أغمض البعض من السياسيين أعينهم وأصروا على تكرار الخطأ، عندها قد يتطور شكل العنف ليكون وسيلة وحيدة لدى جهات تعتقده هكذا أداة ملائمة لإعادة عربات القطار الى سكتها الصحيحة.
٢٢/١٢/٢٠١٩