سيكولوجية الإيهام في تكليف المهام


وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد أو أن أحداثه تتكرر ثانية رغم الإختلاف بالزمان والمكان، وكأن سمات الشخصية حصرا في العراق تورث وتتوارث على الرغم من عدم وجود سند يدعم توارثها في أدبيات علم النفس والإجتماع، وكأن العسكر حماة الديار لم يَتّعض بعضهم وبعض قادتهم السياسيين من دروس الماضي المريب على الرغم من أن أخطائهم ورفاقهم كلفت العراق كثيرا من التضحيات.

كان الأمس هو عام 1967، درسه العسكري الأول حالة إيهام بطلها ضابط لم يمض على تخرجه من الكلية العسكرية غير السنة، وموضعها زيارة آمر اللواء الخامس عشر لموقع تمرين على رمي الهاونات يقوم به فصيل الهاون في الفوج، وحال وصوله سأل آمر الفصيل هل جربتم الرمي من قبل، وماهي النتائج؟، فرد الملازم دون تأخير، كان رمينا بالأمس دقيقا جدا، وقنابرنا الآن جميعها بالهدف، وبعد ذهاب آمر اللواء منتشيا بكفاءة ضباطه الأحداث وحماسهم، تم تفحص المنطقة المضروبة فلم تكن هناك، ولا قنبرة قد أصابت مرماها، وعند سؤاله وديا عن دوافع الإدعاء دون تفحص رمي الأمس، وعدم التأكد من رمي اليوم ؟، أجاب بنفس السرعة "لا يمكن لآمر اللواء التأكد بنفسه، والمهم غادرنا راضيا"، وبعد عشرين سنة من ذلك الرضا المبني على الإيهام أصبح المذكور مديرا للمشاة في الجيش العراقي لكثرة ما صنعه من أوهام أبتلعها القادة الكبار، والدرس الثاني عام 1973 وساحته راوندوز في كردستان، ومادته أمرٌ من رئيس الجمهورية آنذاك يقضي بأن لا يذكر القادة والآمرين تفاصيل الخسائر بالأرواح، لأنه أدرك ورئاسة الأركان أن الأرقام التي وصلتهم عن خسائر المقاتلين الأكراد لسنة تزيد عن تعداد سكان الإقليم، وبعد أيام من هذا الأمر أرسل آمر الفوج موقف الخسائر لمعركة قاتلت فيها ربيئة محصنة لمدة ساعة، مفاده أن وحدته أشتبكت مع العدو بمعركة شرسة، كانت الخسائر من جانبه أي المهاجم لا تعد ولا تحصى حتى أصطبغت الصخور باللون الأحمر من كثرتها، وبعد أنسحاب المهاجمين الأكراد، لم يتبين أثر لقتيل أو جريح، وما موجود في موقع الهجوم بحدود مائة ظرف فارغ لبنادق برنو، وبعد عدة سنوات من هذه الواقعة أصبح ذلك الآمر قائد فرقة تقديرا لعديد من المواقف القتالية التي أوهمت القيادة بعظمتها، ومن بعد ذلك وتحديدا في الحرب العراقية الإيرانية كانت هناك مئات الدروس، بعد أن أصبح الإيهام خاصية لعديد من القادة والمسؤولين، فآمر السرية مثلا يذكر أٍرقاما لخسائر عدوه تزيد عن الواقع بكثير، وعند تعبير الموقف يزيد عليها آمر الفوج أضعافا لما مذكور، وهكذا يعمل آمر اللواء وقائد الفرقة، ومن ثم يأتي دور قائد الفيلق الذي لا يقتنع بعضهم بما مذكور لقلته، فيضاعفه حتى يخرج العدد في البيان العسكري من ثلاثة قتلى في الواقع إلى ثلاثة آلاف في الخيال، وزاد الطين بلة قيام القيادة العليا بتكريم القادة الميدانيين على المواقف التي يذكرونها عن خسائر عدوهم، حتى صفروا بذكرها الجيش الإيراني عدةً وعدداً أكثر من مرة، وتسببوا في كوارث قتال بنيت على ذكرها تقديرات مواقف خطأ. وهكذا فعل آخرين منهم في حرب الخليج الثانية، والثالثة، فأوهموا أنفسهم وقياداتهم العليا، وسجلوا بسببها نكسات عسكرية لا تغتفر.

إن الإيهام توجه خطأ، يقبله الأعلى بطريقة الخطأ لنقص في المعلومات أو إضطراب في التكوين النفسي، عززته القيادة السابقة للجيش العراقي سلوكا منحرفا لدى العديد من القادة والآمرين، أنتقل لسعة تفشيه من الجيش السابق إلى الجيش الحالي، فتسببت في إيهام القيادة السياسية بمستوى التدريب الذي تبين ضعفه، وبالمعنويات التي ثبتت قلتها، وبالدافعية القتالية التي يشك في وجودها في أول معركة واسعة بالبصرة ..... وهمُ لابد أن تقف عند حافاته القيادة السياسية الحالية، وتعطي المهام لمن يصدقونها القول، وأن تدقق بما يقال، قبل أن يدخلوها بسلوكهم الواهم في دوامه وهم، كانت من بين الأسباب التي أسقطت صدام حسين.