سلوك التجاوز واتجاهات التعويض الخطأ


من يقرأ التاريخ العراقي جيدا ويركز بقراءته على سلوك التجاوز على أموال الغير، حكومية كانت أم أهلية، سيجد دون جهد يبذله للتفتيش بين السطور أن هناك أستعداد لدى البعض غير القليل من مواطني هذا البلد العريق لاستباحة أمواله العامة والخاصة عند سنوح الفرصة، إلى المستوى الذي يمكن أن يزيدوا العيار فيه حد السلب والنهب أو ما يسمى بالفرهود عند الشعور بضعف سلطة الحكومة الضابطة، وهو سلوك هدم وإعاقة لا يختلف في معنى حدوثه الفلاح الذي يغتصب الحاصل من صاحب الأرض بغشه في القسمة العامة عن العامل الأجير الذي يسرق رب العمل بتسكعه أو بتكراره الصلاة في غير أوقاتها، وكلاهما لا يختلفان في توجهاتهما عن الرعاع الذين يتزاحمون لنهب الدائرة الحكومية أو المؤسسة المهنية وعن السيسايين الذين يزيحون غيرهم من ساحة العمل الحزبي، وعن الموظفين الفاسدين، لأنهم جميعا يصنفون بالمتجاوزين على الحق العام مالا كان أو موقعا أو صفة.

وعموما فإن سلوك التجاوز هذا أستعداد في الذات الجمعية يرقى لان يكون خاصية في السلوك العام العراقي أو عادة تميزه عن الكثير من  شعوب العالم التي تتشابه وإياه في الأبعاد التاريخية وفي مستويات التحضر، لأنه سلوك كان موجودا في قديم الزمان عندما كان المجتمع بدويا يُكبر من عادة السلب والنهب، وأستمر كذلك في عصره الحديث ولو بصيغ أخرى تتلائم وتطوراته الفنية والتقنية، كان أكثرها رسوخا في الذاكرة تلك التي تتعلق بسلب أموال اليهود بعد عام 1948 ومن بعدها أموال العائلة المالكة عام 1958، وأكثرها إيلاما نهب أموال أهالي المحمرة والفاو في الحرب العراقية الأيرانية، وأستباحة ممتلكات الكويتيين في أيام الإحتلال عام 1990، وأكثرها سعة وإثارة تلك العمليات الهمجية لنهب الدوائر الحكومية والمؤسسات الخدمية والصناعية والمالية والتجاوز على المواقع والأراضي والأبنية الحكومية إبان الاحتلال عام 2003، وهو أستمرار يؤشر وجوده عادة تأصلت في السلوك العام يلزم المعنيين في إدارة الدولة والمجتمع أي كانت توجهاتهم وأنتماءاتهم للتعامل معها بطريقة تقلل من مستويات حصولها، خطوة أولى تمهد إلى القضاء عليها تماما لأنها طاعون يعزز التخلف ويعيق التقدم والنمو، والتعامل معها على وفق كل نظريات التعلم وإتجاهات تغيير السلوك لا يأتي بمكافئتها سلوك غير سوي وكما تريده الحكومة العراقية التي أعلنت أخيرا عن ضوابط لتعويض المتجاوزين بمقادير مالية، لأن التعويض وإن كان لفقراء القوم إذا ما أفترضنا أن كل المتجاوزين هم من الفقراء المشردين "وهو أفتراض غير وارد" سيكون بمثابة مكافئة لسلوك التجاوز الذي حصل أي تعزيز يبقيه راسخا في الذات العراقية، متربصا لظروف أخرى ينقض فيها على المال العام بمستويات من الشدة قد تفوق المرة السابقة، وتمهدت لمزيد من الفوضى والارتباك.

إن التجاوز سلوك تهديم للمجتمع وتخريب لحالته النفسية تتحمل الحكومة في وقتنا الراهن مسئولية إعادة بناءه بشكل صحيح وبالتوازي مع خطواتها الأخرى في إعادة البناء والأصلاح، والصحيح في هذا الجانب هو التوجه إلى إطفاء الخطأ بقوة ردع كافية، وسلطة قانون ملزمة، وليس بالمكافئة التعزيزيه، وتتحمل المؤسسات الثقافية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني المسئولية التضامنية مع الحكومة في المساعدة على إعادة البناء بالتنبيه والنصح والتوعية والإرشاد، وبعكسه ستبقى البداوة بأصولها السلبية متمركزة في العقل العراقي، وسيبقى المجتمع بعيدا عن معالم التحضر والرقي، معرضا للنهب والسلب ماديا وثقافيا وفكريا، لا يأمن فيه سياسي على موقعه، ولا حزب على جمهوره، ولا يتجرأ فيه شخص للاستثمار، ولا شركة أجنبية للإعمار، وسيبقى العراق مشروع نهب من قبل الأبناء لا يقوى على البقاء آمنا مستقرا.  

                                                 

د. سعد العبيدي       2/1/2009