شهدت بداية تكوين الدول العربية بعد خسارة الامبراطورية العثمانية وتوزيع تركتها مناطق نفوذ للدول الرابحة في الحرب، قولا للنافذين "المستعمرين"قوامه ان المجتمع العربي غير مهيءللديمقراطية، بل وغالى البعض في قوله انه غير قادر على حكم نفسه بنفسه ديمقراطيا، وهو بحاجة الى فترة انتقال يتعلم فيها معنى الديمقراطية واصول الحكم، وبدلا من التعلم والتطور التدريجي،اعتلى الثوريون في بعض الدول العربية سدة الحكم بدفع غير معلن من قبل المتنفذين، وتوجهوا الى دحض نظرية عدم التهيؤ، بتكوينهم ديمقراطية الرجل الواحد والحزب الواحد، وغالى الملكيون في الدول الاخرى بالمحافظة على تقاليد الاستعباد سلوكا في التعامل يكون فيه الملك هو الرجل الواحد،فتساوى الجانبان الثوري المتنور والملكي المحافظ في ابقاء المجتمع يدور في فلك الابتعاد عن الديمقراطية. ولنا في هذا الجانب امثلة قريبة من مصر الدولة العربية الاكبر التي ثار عسكرها عام1952 على الملك متهما اياه بالرجعية والتخلف، ووعد في اقامة ديمقراطية ابقت عبد الناصر حاكما حتى مماته، وكذلك السادات من بعده، ليكمل مبارك المشوار حتى عزله بثورة شعب طالب بالديمقراطية، وسنحت الفرصة وبات القول الفصل لهذا الشعب الذي فشل في اول اختبار ديمقراطي يوم عاود النزول الى الشارع محتجا على القضاء المصري الذي حكم مبارك بالسجن المؤبد، مطالب ااعدامه حكما وحيدا يشفي غليله، والاحجاج بهذه الطريقة سعي لوضع القضاء تحت طائلة الانحياز الانفعالي الذي لا ينسجم وروح الديمقراطية، والقائمين عليه لا يفهمون معنى الديمقراطية.
والمثال القريب من مصر هو العراق الذي ثار عسكره ايضا على الملكلية عام 1958 بعد اتهامه اجزافا بالعمالة والرجعية، وتقلدوا الحكم فيها قريبا من نصف قرن من الزمان، اثبتوا انهم اكثر تخلفا،ورجعية، وقسوة. وجاءت الفرصة للديمقراطية، وانتخب الشعب حكومته، وفشل في اول عقبة حقيقيةمطلوب التعامل معها ديمقراطيا، بعد ان توجه ابناءه للدوران في دائرة مغلغة، مدفوعين بمشاعر انفعالية، طرف يرى الحل الوحيد للعقبة او المشكلة بسحب الثقة عن الحكومة، في مقابل طرف آخريهدد بالانهيار فيما اذا سحبت الثقة، وكأن الديمقراطية التي تحكم لا مجال فيها إلا لهاذين التوجهين،وكأن موضوع سحب الثقة من عدمه هو المشكلة وليس الحل لعديد من المشاكل. وكأن الطرفين يحشدان جهودهما في ساحة حرب، للقتال دون الهدف الذي اعتبروه وحيدا. وحشد الجهد بهذه الطريقة والتهديد بنفس الطريقة لا يتوافق وخطى الديمقراطية، والسائرين عليه لا يدركون اصولا لديمقراطية.
والمثال الآخر في الطرف الآخر يتعلق بالبحرين، الدولة الملكية، التي دفعت المطالبات الخاصة بخطوات الديمقراطية الى انقسام شعبها طائفيا، حتى اعتقد الغالبية ان اية خطوة للديمقراطية ستفضي الى تقسيم البلاد طائفيا، وربما جرها الى اقتتال داخلي مدعوم خارجيا، تكون خسائره اكثر من اينفع للديمقراطية.
من هذه الامثلة والاخرى الكثيرة في غالبية الدول العربية، يتبين صحة رأي الدول الكبرى المتنفذةفي ان العرب مجتمع غير مهيء للديمقراطية، وانه لا يستطيع ان يحكم نفسه بنفسه، حقيقة ستبق ىسائدة، وستبقى خنجرا في خاصرة العرب يحركه المتنفذون الى ان يظهر حاكم مصلح، مربي،زاهد، عادل، وطني، أو حزب شعبي، اصلاحي، واقعي، منقذ، ديمقراطي.
والى ان يظهر هذا او ذاك من رحم عربي شاخ على الانجاب او اقترب من ان يكون عقيما، ستنتهي اجيال واجيال يتذكر الآتين من بعدها أن من سبقهم كانوا غير مهيئين للديمقراطية.
5/6/2012