ظهرت أزمة مياه دجلة بشكل سريع وغير متوقع، وكأن المجتمع قد صحا من غفوته ليجد نفسه أمام حالة عطش ستعصف به أو ستقذفه وسط صحراء التيه، لكن المتتبع يجد وبكل وضوح أنها ليست جديدة ولا مفاجئة، بل تعود الى سنوات قبل سقوط النظام، إذ بنت تركيا عدة سدود على نهري دجلة والفرات واستمرت بملئها واحداً تلو الآخر، والباحثون في مجال المياه يردونها الى زمن أقدم حيث القول المشهور للرئيس التركي الأسبق أخصائي السدود سلمان ديمريل (برميل النفط مقابل برميل الماء).

إن أزمة المياه في العراق وتجاوزاً على الجوانب الفنية التي لا يصح الافتاء في مجالها الا للمختصين، هي مشكلة معقدة شائكة إذ أن للطبيعة في حدوثها حصة، فالاحتباس الحراريالذي غير من كميات الامطار ومناطقها قد أضر بالعراق الوقع ضمن الرقعة التي قل فيها المطر، وزحف نسبياً ليشمل أجزاء من تركيا تحسب على حوضي دجلة والفرات، خاصةفي هذه السنة التي أشرت الأنواء الجوية قلة أمطار في عموم هذا الحوض.

وإن للأتراك أنفسهم حصة في حصولها أي الأزمة أذ أن كثرة السدود التي أنشأوها في العشرين سنة الماضية أضرت بالعراق، كما ان امتناعهم عن توقيع اتفاقيات على وفق القوانين والمعاهدات الدولية حول تقاسم المياه على أساس تفسيرهم أن دجلة والفرات نهران محليان أي ينبعان ويصبان في الدولة ذاتها بعَدِهِمْ العراق من ضمن الدولة العثمانية أضر كثيرا بالعراق.

كما ان للعراق المتضرر من الأزمة حصة أيضاً في تطوراتها، لأن التحسب لتلافي الأضرار، لم يكن بالمستوى المطلوب وان الزراعة في عموم مناطقه قديمة، تستهلك مياهاً كثيرة، وأنهره معرضة للتسريب والتبخير بشكل لم يحسب له حساب، وعمليات التخزين لمتكن موفقة تماماً، وبعض من السدود تأخر انجازها حتى وقتنا الراهن لاعتبارات سياسيةمثل سد بخمة في الاقليم، كذلك عملية توزيع المياه بين الفلاحين وبين المحافظات المليئة بالأخطاء والتجاوز وعدم الالتزام، خاصة بعد سقوط النظام يوم شعر الفلاحون بغيا بالقيود واندفعوا الى سلوك التجاوز والاستغلال وكأن الواحد منهم مستعد أن يميت جاره عطشاً ليسقي الزرع التابع له.

إن أزمة متداخلة من هذا النوع يحتاج حلها الى جهود حثيثة على كافة الأصعدة بينها السياسية فالأتراك دولة قوية لسياسيها شعور بالعظمة، حتى انهم وضعوا ملف هذه الأزمة بيد الرئيس أردوغان دليل على الرغبة في استثمارها لصالحهم ورقة للتعامل مع العراق،على هذا يحتاج العراق الى فرق سياسية للتفاوض مع الاتراك، فرقٌ قوية، ممتلئة بالمعلومات والخبرات، ويحتاج أن تعي السلطة العليا في منظومته التنفيذية أي الحكومةأبعاد الأزمة وتجد أوراقاً للتعامل مع الأتراك ذات فاعلية وتأثير تلزمهم الى التقيد بالاتفاقات الدولية واطلاق حصة العراق من الماء

٩/٦/٢٠١٨