لنا في العراق الحديث تجربة، بل وتجارب طويلة في فرض الخيارات الأحادية للجهة الأعلى "الحاكم" على الجهة الأدنى " الشعب المحكوم" سواء كانت تلك الجهة الأعلى شخصاً يعتقد بأن افكاره وآراءه هي الصحيحة بالمطلق، وما عداها غير صحيح بالمطلق أيضاً، ولا خيار من وجهة نظره للادارة والشعب بضوء المطلقين سوى الامتثال لتنفيذها،ومن لم يمتثل حتى وان كانت الأمور الصادرة والمفروضة تافهة منطقياً، يتلقى العقاب الذي يكون قاسيا في غالب الأحيان.
أو أنها جهة حزبية ترى في أفكارها ومبادئها هي النافعة بالمطلق، وغيرها من أفكار للآخرين غير مفيدة أو ضارة كذلك بالمطلق، وعدم الامتثال لها تحدٍ ومخالفة يلوى القانون،ويحوّر من أجل المحاسبة وتوجيه العقاب لفرضها بالقوة. ولنا تجارب واقعية في سقوط نهج الخيارات الاحادية وأصحابها الحكام "كريم قاسم، عبد السلام، البكر، صدام"والأحزاب "البعث" على الرغم من التباين في نوع الفَرّض والذاتية المفرطة والاستقامة والنزاهة وغيرها. لكنهم جميعا مروا أو سلكوا ذات الطريق في الحكم واتخاذ القرارات،وعلى هذا ونتيجة لتكرار الأساليب ذاتها أي فرض الخيارات الأحادية بالقوة، يبدو وكأنهذه العلة أصبحت من بين خصائص الشخصية السياسية العراقية، لأننا وبعد كل المعاناةوالنقد لمرحلة حكم حزبية أحادية سابقة، بدأنا نلمس نفس التوجهات لما بعدها، بل وبقساوةأشد حتى أمتدت الأحادية لتكون بعدد الأحزاب النافذة والمليشيات السائدة التي سارعت جميعها لفرض وتطبيق آرائها وأفكارها وتوجيه العقاب على من لم يطبقها بالقوة، فأغلقت نوادٍ اجتماعية، وفرضت طقوس، وتحدد شكل اللبس، وكثر المنع، وتفاقم الاكراه،وتضاعف التوجيه، وزاد التحريم ...الخ، وكأن العراق واحة منعزلة عن العالم المعول مالذي أصبح بحكمها والتطور التقني واتساع وسائل الاتصال مجتمع واحد يتأثر بما يرد منالغير ضمن الدائرة العالمية الكبيرة. وعلى هذا يمكن التأشير الى:
- أن أحادية التفكير وفرضه بالقوة غير مجدية تماماً.
- وان ما بدر من الشباب من احتجاج ومطالب وان كان منصبا على الفساد والاستغلال والتقصير، لكنه يحوي ضمنا عدم القبول بها "الاحادية" واحتجاج على أساليب فرضه ابالقوة من أية جهة كانت وان ادعت أنها ضل الله على ارضه.لقد أختلف العالم كثيراً، ولم يعد لأي مجتمع من المجتمعات على كرته الأرضية فرصة لأن يضعه الحاكم في قفص حديدي بقصد الحماية الذاتية من التأثر، ولم يعد لأي حاكم فردا أوجماعة الفرصة لفرض الآراء والأفكار بالقوة، فالزمن قد تغير في ضل الحضارة العالمية الحالية، ولم يبقَّ مجال سوى الأخذ بالاعتبار الحرية، والتمدن، والتحضر، والحراك الاجتماعي والحاجات الخاصة بالإنسان والابتعاد عن الفرض بالقوة معايير أو خيارات شعبية هي الأسلم والأبقى.
20/8/2015