لم يكن الصدام المسلح بين أمريكا وايران وارداً باحتمالات عالية كما هو عليه اليوم بعد اسقاط الإيرانيين طائرة تجسس مسيرة أمريكية قرب مضيق هرمز، قالوا عنها دخلت أجوائهم وقال عنها الأمريكان أنها تطير فوق المياه الدولية. هذا وبغض النظر عن تحديد المكان الذي تحلق فيه الطائرة وهي تمسح بطيرانها استخبارياً مساحة شاسعة من ايران،فان اسقاطها يعد تطوراً خطيراً وخطوة باتجاه الحرب، وإن حاول ترامب النأي بنفسه عناشعال فتيلها. إذ أن القرار الإيراني على اسقاطها يمثل جرأة وتحد لأقوى دولة في العالم عسكرياً، واتخاذه لا يمكن أن يكون صدفة أو تهوراً من دولة وصفت بالمعرفة في إدارة سياستها الخارجية، لذا جاء قرار الاسقاط إذا لم تكن الطائرة قد اخترقت مجالهم الجوي لواحد من أمرين، أما رغبة بتحدي أمريكا وجس النبض لمعرفة ردود الفعل والذي ستكسبفيه نفع نفسي على مستوى الداخل تحتاجه في معركة الحصار القائمة طويلاً، أو أنها واثقةمن أن الصدام المسلح حاصل بالفعل وان أمريكا تريد تنفيذه بعد فترة استنزاف نفسي لجهازها العصبي بغية الحصول على الاستجابات المطلوبة، (اضطرابات داخلية)، وفي هذه الحالة اتخذت ايران القرار وكأنها تريد استعجال حصول الصدام قبل إضعاف جهازها العصبي.

أما أمريكا فمن جانبها وإن توعدت في السابق بالرد على أي فعل ايراني يؤذيها والتي يفترض أن تكون خططها في الرد جاهزة مسبقاً، فقد أعلنت أنها سعت الى الرد لقصفأهداف منتقاة بينها مواقع دفاع جوي ومراكز عسكرية لكنها ألغت الأوامر قبل عشرة دقائق من تنفيذها، وحجتها في الإلغاء، احتمالات مقتل مائة وخمسون ايرانياً، حجة غير مقنعة،وفي حالتها فان تأجيل الرد ربما جاء لحسابات أخرى، فإسقاط الطائرة المتطورة بصاروخ ايراني يحسب لإيران تطوراً في تقنياتها وهذا ما تريد أمريكا دراسته ومعرفته بدقة كيتكون ضربتها المحتملة مؤثرة نفسياً تؤدي الغاية المتوخاة ارهاق الجهاز العصبي، وتريد الاستمرار في خططها في الإرهاق الى حين الحصول على الوقت المناسب، كما إن أمريكا التي اختارت العقوبات على ايران من جانب واحد، يبدو أنها لم تحصل على التحالف الدولي الواسع لتأييد توجهاتها في الحرب والمشاركة في تنفيذ خططها حتى الآن، كما تقتضي الضرورات الدولية لإدارة الصراعات المسلحة بعد مرحلة انتهاء الاتحاد السوفيتي لأن تكون جميع الحروب بتحالفات دولية واسعة، وحروب العراق عامي ١٩٩١ و٢٠٠٣خير مثال على هذا.

من هنا يمكن القول ان اسقاط الطائرة الامريكية عملية وان لم تحدث فعل الصدام المسلح الواسع بعد، لكنها خطوة من خطواته عجلت في حدوثه ليكون احتمالاً لقصف أمريكي عن بعد لأهداف إيرانية منتقاة، يمكن أن يتوسع في حال حدوثه تدريجياً ليشمل غالبية الأهدافالعسكرية والاستراتيجية، والذي سيدفع ايران بالرد بالمثل لأهداف امريكية في ساحات الدول العربية بينها العراق الذي سيكون في حال حصوله من أكثر المتضررين.

٢٢/٦/٢٠١٩