لقد كانت البداية التأسيسية للجيش العراقي، في ظروف داخلية صعبة أعطته بعدا أمنياأكثر من البعد الدفاعي الوطني، عده المحللون عاملاً مهماً في رسم الخطوط الأساسية لمستقبل العراق السياسي على نحو مهد الطريق لصناعة أزمات طوال الوقت، وعموما فإن البريطانيين الذين أرادوا بدايته جيشا بديلا عن جيشهم في التعامل مع الوضع الداخلي، هم أكثر من أضفى على مشواره الطويل، الصيغة الغربية، البريطانية،الصحيحة، تنظيما: على مستوى دوائر ومؤسسات المقر العام، والتشكيلات الميدانية.وتدريبا، وتعبية لاساليب القتال على وفق السياقات البريطانية.

لقد استمرت الصيغ الاولى التي ارادها مؤسسو الجيش على ماهي عليه، حتى عام1958 حيث التغير الواسع لما يتعلق بالتسليح والتجهيز الذي اتجه شرقا، والقيم العسكرية التي هوت انحدارا، والسياسة التي اخترقت جدار بنيته الرصينة، من خلال اختلاط العسكر باحداث الشارع، وانفعالاته السلبية. عدوى الحزبية التي انتقلت بعض معالمها عن طريق الوجبات الاولى للضباط الموفدين للدراسة والتدريب في الاتحاد السوفيتي. ومن خلال مساعي الضباط الحزبيين، البعثيين والقوميين العرب والشيوعيين الموجودين في الخدمة، الساعين الى نشر افكارهم وزيادة الكسب التنظيمي لاحزابهم.اختراقٌ، بدأ ذلك العام، وما بعده في كل الاعوام التي تلت، فتسبب في حصول تغير واضح المعالم او تصدع في بنية القوات المسلحة، بعد ان ارسى قواعد تقاطع سياسي، وصلتم ستوياته في بعض المراحل الزمنية، الى التصادم العلني بين الاحزاب النافذة في الوحدات والتشكيلات القائمة آنذاك، كل يجري بالاتجاه الذي يضمن له السيطرة عليه"الجيش" كأداة مهمة لفرض النفوذ على السياسة، وكان نصيب الشيوعيين من هذا التصادم في بدايته استحواذ على شريحة المراتب حتى عام 1963، ونصيب البعثيين استحواذ واضح على مستوى الضباط، زاد بشكل كبير ليشمل عموم الضباط والمراتب بعدعام 1968.

ان هذا النوع من الاستحواذ السياسي، سبقه أستحواذ اجتماعي لا يخلوا من السياسة، اذأقتصر القبول الى الكليات العسكرية والامنية، بداية التاسيس ولغاية عام 1958، على ابناء الذوات والعوائل المعروفة سياسيا وعسكريا وعشائريا، حتى ان المؤسسة وعندما شعرت بالحاجة الى المزيد "سد النقص الحاصل بالرتب الصغيرة بسبب التوسعبالتشكيل" بعد فترة قصيرة من التاسيس، توجهت الى العشيرة لتكون معينا لها، ومنابناء شيوخها حصريا، يدخلوا دورات قصيرة، ويمنحوا الرتبة العسكرية، وان لم يحوزو اعلى الشروط المتعلقة بالتحصيل والعمر، فأخل الاستحواذ هذا بمستلزمات المهنية فنياومعنويا حتى بات هذا الامر، موضوع استمر العسكريون المحترفون يتداولونه نقدا الىستينات القرن الماضي، وعنه راجت عدة روايات تتعلق اغلبها بدوافع التطويع، بينهامحاولة سحب العشيرة الى داخل جدار الدولة الامني، وربطها بمصالح تلزمها ان تدافععن الدولة في ظروف باتت اغلب المشاكل تأتي من بين صفوفها.وبينها ايضا ان الملك فيصل الاول قد استشعر الانحراف المذهبي للجيش الذي ابتعد عن الجنوب العراقي بسبب موقف المرجعية الدينية من الانتماء اليه، وسعة تأثير الضباط
المؤسسين الذين ينتمون جميعهم الى طائفة واحدة، ادى الى ان يسهل كل منهم لاقاربه وابناء مدينته الدخول الى الكليات العسكرية الفتية "تأثير التوسط في القبول" مما تسببفي ان يكون سواد الضباط في الجيش والشرطة ودوائر الامن من اتجاه مذهبي واحد،ومن عشائر ومناطق محددة، صبغت القوات المسلحة بصبغة الخصوصية على حساب العمومية. خرقٌ، استشعره الملك فيصل"حسب هذا الرأي" فأمر بفتح دورة خاصة لابناءعموم العشائر العراقية "أولاد شيوخها" ليمنحوا رتبة ملازم في الجيش، الا ان القادة العسكريين الموجودين في قمة الهرم العسكري والمؤسسة الدينية اسهما من جديد في انيكون غالبية المنتسبين الى الدورة من العشائر ذاتها الموجودة في أعلى وسط وشمال العراق التي رحبت بالفكرة ودعمتها بالكثير من الشباب، في الوقت الذي امتنعت فيه غالبية العشائر الجنوبية "باستثناء القليل" لنفس الاسباب المذكورة، فدخل الى الدورة قليل من ابنائها، سجلوا حضورا وان لن يلبي رغبة الملك التي ارادها، فقد فتح بابا كانت موصدة، لآخرين، دخلوا منها الى صفوف الجيش، بتزايد متتابع لم ينه خلل التجانس كماهو مطلوب.ان مشكلة التجانس المخلة بمهنية الجيش ووطنيته عادت الى الواجهة بعد العام ٢٠٠٣،وبشكل معكوس هذه المرة، سوف تكون عقبة أمام تأهيله عامل ردع فاعل.

٦/١/٢٠٢٠